تجاربي في تعلم التركية

مضى على قدومي إلى تركيا قرابة الـ 22 شهرًا، وكمعظم السوريين القادمين إلى هنا تملكني منذ البداية حماس تعلّم اللغة التركيّة، فنسبة جيّدة ممن أعرفهم فكّروا بتلقي دروسًا خصوصية أو الاشتراك في دورة ما وبعضهم أقدم على ذلك بالفعل.. إلا أنّ هذا الحماس سرعان ما يخبو مع ضغط الحياة اليومية ومتطلباتها؛ إلى جانب اكتشافنا – المُدهش!- أنّ تعلّم لغةٍ جديدة يتطلّب جهدًا وتركيزًا لم يكن في البال لحظة الحماس الأولى.
على أيّة حال؛ يمكنني القول أن الاستراتيجيات التي اتبعتُها خلال الفترة الماضية آتت نتيجةً جيدة. ورغم عدم اكتمالها بعد لكنّ ذلك لا يُمنع من مشاركتها؛ والعمل على تطويرها وتنويعها مع الوقت، باعتبار أن تعلّم اللغة ممارسة يومية قد تستغرق سنواتٍ بالفعل!

أظن أن هناك نقاط من المهم أن تكون واضحة من الآن:

  • ما سأذكره هنا يسرد – كما العنوان – تجاربي الشخصية في التعلّم؛ والتي لا يُمكن تعميمها بطبيعة الحال وإنما يمكن الاستفادة منها وتعديلها لتناسب ظروفك وحالتك.
  • لم آخذ حتى الآن دروسًا خصوصيّة في تعلم اللغة، كما لم يتسنّ لي الالتحاق بأيّ معهد، وهذا يعود فقط لأسباب تتعلق بالوقت الذي يُمكنني تخصيصه للتعلّم، وكذلك الميزانية التي يُمكنني دفعها. لذا فإنّ جميع التجارب هنا تصب في باب “التعلّم الذاتي”؛ ليس لأنّه الطريقة السحرية والأفضل، بل لأنها الطريقة التي تتناسب وظروفي الشخصيّة.
  • بخصوص “أين وصلتُ بتعلّم اللغة”، فأنا أستطيع إجراء المحادثات اليومية مع الآخرين، الجيران، موظفي الدوائر الحكومية ، وتحقيق أي غرض أريده، مثل فتح حساب بنكي، أو شرح ألم الأسنان للطبيب. بالإضافة لاستخدامي البحث في المحتوى التركي على الإنترنت للقراءة حول تفضيل المستهلكين لخدمة أو شركة بعينها. كما بتنا مؤخرًا – أنا وحنين – نذهب للسينما التركية ونستمتع بمشاهدة بعض الأفلام إلى جانب أنشطة ترفيهية مُشابهة.
    هذا ساعدنا في العموم على تحقيق “أريحية” في الإقامة. فاستئجار منزل من الأتراك  أرخص وأفضل، الطبابة في المشافي التركية مجانية، وهكذا.. في الحقيقة لا نزال نلمس مع الوقت الفائدة المُطرّدة من تعلّم اللغة التركيّة.
تحتل تركيا المرتبة 37 من حيث المساحة على مستوى العالم

مكان الإقامة

إذا لم تكن طالبًا أُتيحت له فرصة تعلّم اللغة لمواصلة دراسته، فإن حظوظ امتلاكك للأبجديّة التركية تُصبح أقل بكثير، لا سيما مع الإقامة  في إحدى المدن التي توجد بها جالية سورية كبيرة، فبهذا تختفي الحاجة للتعلّم. صحيحٌ أنك ستمر بتجارب عديدة تُشعرك بالخيبة لعدم قدرتك على التحدّث بلغة أهل البلد، إلا أنّ جميع الظروف الأخرى (الإقامة، العمل، البيئة الاجتماعية إلخ) ستقول العكس، وكثيرًا ما تنجح بإقناعك.
أو على الأقل هذا ما أعتقده! وهذا ما دفعنا لاختيار مدينة بكثافة عربية أقل، لا نعرف بها أحدًا؛ للانخراط مع المجتمع التركي مباشرةً. لقد استأجرنا منزلنا الأول من مكتب تركي بلا واسطة للترجمة وشيئًا فشيئًا أصبحت الأمور أكثر سهولة مع الممارسة.
المكتب العقاري، الجيران، المتاجر، الدوائر الحكومية.. هذه أولى الاحتكاكات مع المجتمع لأي قادمٍ جديد، وهنا إما أن تعتمد على مكاتب عربية وسيطة أو تعتمد على نفسك فقط حتى لو لم تكن تعرف كيف! لكن في النهاية ستجد طريقك.
عند قدومنا إلى هنا اشتريتُ كتيبًا يحتوي على الجمل الأكثر استخدامًا في مختلف الحياة اليومية مُقسّمة بحسب الموضوع، مع كيفية نطقها بالأبجدية العربية، وقد استطعنا تدبر أمورنا في الأشهر الأولى بالاعتماد عليه فقط؛ بالإضافة إلى Google Translate (وتحديدًا خاصيّة تحويل الكلام إلى نص مُترجم مباشرةً).
الأشهر الأولى هي الأكثر صعوبةً، لكنها فترة وستمرّ. وشيئًا فشيئًا ستُصبح الأمور أسهل بل وأفضل مما لو اعتمدتَ على مكاتب الوساطة.. لكن هذا فقط في حال تابعت بناء استراتيجية متكاملة لتعلّم التركية.

بيئة صغيرة

الخطوة الثانية الأكثر أهمية هي بناء علاقة قويّة مع صديق أو جار تركي. فالمتجر أو الدائرة الحكومية ستجعلك مضطرًا للتعلّم لكنها لن تُعلمك شيئًا.. التكتيك الأولى يخلق الحاجة المستمرة والملحة للتعلّم، والتكتيك الثاني يُعتبر مُعلمك المباشر. في حال لم تُوفق من المرة الأولى في العثور على جوار مُستعدٍ للانخراط معك في ذلك – كحالنا مثلًا – فقم بتغيير المنزل وأعط نفسك فرصةً جديدة، أو اخلق أنت فرصة لبناء صلة مع أحدهم هنا أو هناك.
ما لاحظتُه أن الناس – لا سيما ربّات المنازل والطلاب – سيستمتعون (أو يرحبون على الأقل) برغبتك لتعلّم لغتهم، فأنت بحاجة إلى شيءٍ حيوي، وهو موجود عندهم فقط. بعبارة أخرى أنت تُشعرهم بالأهمية والأستاذية وهذه مشاعر يُفضّلها معظمنا (فقط تذكّر نفسك عندما تُسأل عن نصيحة في مجال خبرتك، كيف تسترسل وتجود).
لكن هل فعلًا ستتعلّم التركية باستخدام التركية؟
أجل، لمَ لا.. فرغم غرابة الأمر وصعوبته قليلًا، لكن مع الوقت (وبعد أن تجتاز الأساسيات كما سأشرح في النقطة التالية) سوف تصبح العملية سهلة وممتعة جدًا. فمثلا كلمة “النخبة” معقدة قليلًا، لكنها لن تعود كذلك عندما تعلم أنها تعني “الطبقة العليا”، ويمكنك التعويض عن كلمة “الطبقة” بكلمة “الصف” أو “المستوى” وهي كلمات لا بدّ وأن تُمرّ معك مُبكّرًا.
تحتاج هذه الطريقة إلى بعض الصبر (من الطرفين)، المفردات الأساسية، لغة جسد ممتازة، وقاموس الكتروني. وهكذا بدأتُ بتشكيل جملي الأولى وفهم الجمل الطويلة المسترسلة والأحاديث المتصلة، وشيئًا فشيئًا سينضم إلى فرقة معلميك المزيد من الأشخاص وستتلقى المزيد من الدعم!

التعلم الإلكتروني

مصادر التعلّم كثيرة، الأهم هو التركيز على أحدها والمتابعة

عندما يأتي الأمر لاختيار موقع ويب أو تطبيق ذكي للمساعدة في تعلّم اللغة، فستجد نفسك أمام خياراتٍ كثيرة، بالنسبة لي فقد سارت الأمور كما يلي:
– بدايتي كانت مع برنامج دولينغو والذي يُتيح مسارًا مجانيًا بالكامل لتعلّم التركيّة باستخدام الإنكليزية، يحتوي التطبيق على أكثر من 60 وحدة، تحتوي كل منها على درسين إلى ستة دروس على الأقل، تُغطي مئات المفردات، الجمل، والقواعد اللغوية.
تعاملتُ مع دولينغو كأي لعبة أخرى موجودة على هاتفي، وبدلًا من أمضي عشرين دقيقة يوميًا وأنا أقفز على عربات القطار، فلأقفز بإصبعي على صناديق المفردات. وقد كانت بدايةً طيبة.
جيراني لاحظوا الفرق، فخلال ثلاثة أشهر انتقلنا من الاعتماد الكلي على Google Translate كوسيط بيننا وبينهم، إلى الاعتماد الجزئي. لاحقًا أصبح بامكاننا الجلوس والتحدث دون تفقد القاموس بالمرّة. وهذا ما دفعهم هم أيضًا إلى تثبيت البرنامج واستخدامه لتقوية الإنكليزية!
بعدما أنهيت جميع الوحدات المتوفرة في البرنامج شعرتُ بالتكرار الممل، نفس التطبيق، نفس المفردات، نفس الجمل.. وهنا حان التغيير.
– عثرتُ حينها على موقع Turkish Tea Time والذي يُقدّم حلقات بودكاست مميزة للغاية؛ باشتراك 10$ شهريًا، تتناول الحلقات مواضيع لم يكن دولينغو يتناولها، مثل حجز طاولة في مطعم، إرسال طرد في البريد، الاحتفال بعيد ميلاد أحدهم وهكذا.
مواضيع البودكاست واختيارهم للحلقات كان موفقًا للغاية، كما كان أسلوبهم في الشرح والتبسيط ممتعًا بحق. إضافةً إلى أن كل درس يشتمل – إضافة للمفردات والحوار – درسًا في القواعد، اختبارًا للفهم، وهدية بسيطة عند النجاح به 😉
مجددًا وبعد عدّة أشهر لم أعد أرتاد الموقع كثيرًا، ووجدت أنني أنفق المال في غير موضعه لذا أوقفت اشتراكي هناك وقررت الانتقال إلى Busuu.
بوسو هو موقع ويب وتطبيق موبايل يُتيح مسارًا لتعلّم التركية (وغيرها) باستخدام العربية! وهذه نقطة مهمة لكثيرين – منهم أنا، فمع الوقت بدأتُ أصطدم بسقف مستواي في اللغة الإنكليزية وأصبحت متابعة الدروس المتقدمة أمرًا أكثر صعوبةً، وهذا ما دفعني مجددًا للتراخي وتأجيل التعلّم.
بوسو يحل هذه النقطة، ويُقدّم 66 وحدة، تتكوّن كل واحدة منها من مجموعة دروس واختبارات، بشكل متدرج وبمواضيع مدروسة، وذلك مع مجتمع من المشتركين المستعدين لتصحيح تمريناتك وتقديم المساعدة لك.
الخطّة المجانية تُقدّم ثلث المحتوى على ما أعتقد، ولكن تكلفة الخطة المدفوعة 30$ سنويًا وهذا مبلغ بسيط جدًا مقارنةً مع المحتوى المتوفر.
بالنسبة لي فقد أنهيتُ نصف الدروس المتاحة حتى الآن وأصبحتُ في مستوى B1، وأظن أن تجربة التعلّم من خلاله هي الأكثر مثاليةً ومردودًا حتى الآن.

أظنُ أن هذا يكفي لليوم؛ سأتابع في تدوينة أخرى لاحقًا.

4 Comments

  1. Zaher Shullar

    يا رجل معاناتي ما تزال وستبقى مستمرة في موضوع تعلم التركية ومشاكلي كبيرة تبدأ من عدم المقدرة على إيجاد المعلمين من الجيران وزملاء العمل وغيرهم ولقد وصلت إلى مستوى محدد من اللغة لا أستطيع تجاوزه ولا أجد الوقت للتطبيقات والمواقع وظننت أنني بمجرد معاشرة الأتراك سأتقن هذه اللغة العجيبة التي لي عليها الف ملاحظة وأكاد أجزم بأنها من أصعب اللغات بسبب قواعدها الكثيرة والمبهمة وكونها لغة صوتية فهذا يزيد من صعوبتها.. بكل الأحوال أتمنى لك التوفيق في حياتك وفي إتقان اللغة كما يجب..

    • tareef

      أجل في كل مرة تصل بها إلى مستوى تجد نفسك بحاجة إلى جهد إضافي أو مصدر جديد لتجاوز هذا المستوى والانتقال إلى ما يليه. شكرًا لك صديقي وأتمنى لك التوفيق

التعليقات مغلقة.