/ المجتمع والواقع

أيها الإله الشرير 2

بعد التدوينة الماضية دارت نقاشات عديدة، بيني وبين معظم الأصدقاء، حول الأفكار الواردة فيها، ويبدو أن البعض لا يزال يصرّ بأنّ كل ما يحدث من “شرور ومصائب” هدفه “الإنتقام” و “تأديب الناس”.

في اللغة (وحسب الباحث العربيّ) إبتلاه الله أي إمتحنه، بالخير والشر، وهي الفتنة.
الإبتلاء، المحنة، الفتنة، هي التعابير القرآنيّة التي تدّل على أنواع “التحديات” و “الصعوبات” التي تواجه الإنسان، أو تلك التي يرسلها الله.
الإبتلاء هو الإختبار، وهو معنى الفتنة، التي تعني الإختبار بالحرق، إذ يُدخل الذهب أو الفضة إلى بيت النار، لتذوب عنه الشوائب، ويغدو خالصًا من كلّ عيب.
فالمعنى اللغوي يؤكّد إذًا هذا المحتوى الإيجابي للتحدّيات والمصاعب، إنها تصقل الإنسان، تنقيه من الشوائب، تفتح مواهبه، تنمّي إمكانياته، تقوّي إيمانه، تدخله بتجربة ربما قاسيّة، لكنها بالتأكيد لصالحه في النهاية، بإختصاره إنها تحيله إلى ذهب خالص، نقي من الشوائب.


وهنا سؤال، إذا كان البلاء بمعنى الإنتقام، وتأديب العصاة، فلم قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل»؟!
ألم يحاصر عليه الصلاة والسلام وخيرة صحابته في الشعب ثلاث سنوات، حتى أكلوا من أوراق الشجر؟! هل هذا لأن الله كان يعاقبهم؟!
وإذا كان البلاء سبّبتها ذنوب العبد “وشوف شو عامل لربو لحتى عم يعمل فيه هيك”، لمَ قال المعلّم: ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله بها عنه من ذنوبه، حتى الشوكة يشاكها
وهذا ما يجعل البعض يقول بأنّ التحديات ليست فقط فرص للنمو، بل هي كذلك رسائل حبّ، فمن يكفّر عنك سيئاتك ألا يحبّك؟


هناك مثلٌ شعبيّ شاميّ مقيت جدًا، يقال لجزر من يريد مساعدة الأعمى “ضربوا وطبوا .. مانك أكرم من ربّو”!!
بمعنى أنّ الله شاء أن يجعله أعمى، وأن ينكد عليه عيشته، ويحرمه من نعمة البصر “فأبصر شو عامل بحياتو لحتى هيك الله عمل فيه”، فلم تريد أن تكون أنت أكثر كرمًا من الله، بمساعدتك إياه!! [منطق بشع للغاية].

ودومًا هناك من يبرّر الفقر والمرض بمبرّرات دينيّة، الله يريد هذا، لو شاء الله لجعلهم أغنياء. ويهدف هذا المنطق إلى أمرين، فإن كان يصدر عن الأغنياء، فهدفهم إبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن لا يطالبهم أحد بتغييره، وإن كان يصدر ممن هم أقل منهم غنىً، فهم يريدون إراحة ضمائرهم، من تقصيرهم في مساعدة الفقراء على أخذ حقوقهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
لو يشاء الله لما جعلهم فقراء، لكنها إرادته… هكذا يقولون!

ومثل هذه الدعوة نجدها هنا أيضًا {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}
الإنسان المتنعم، صاحب المال والجاه، يقول بأن الله أكرمه ونعمّه بهذه النعم، إنّ الله يحبّه، إنّ الله قد رضي عنه، ثم إذا ما أفقر، أو قلّ رزقه، تجده يقول: لقد أهانني ربي!
فهل الفقر والغنى فعل إلهي مباشر، أراد الله لفلان أن يكون غنيًا (لأنّه يحبّه) فكان، وأراد لآخر أن يكون فقيرًا معتّرًا (لأنه يمقته) فكان! أمّ أن هناك أسبابًا أخرى حقيقيّة؟
تتابع الآيات { كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}
نعم، هذه هي الحقيقة التي يخشاها الأغنياء والأمراء، الغنى الفاحش، والفقر المدقع، هي نتائج بشريّة، لسلوكيّات لا يرضى عنها الله (أكل مال اليتيم، إهمال الفئات الضعيفة إجتماعيًا، السعي الحثيث وراء المال).


تعود الفكرة في واحدة من أهم أسبابها إلى معتقد “الفعل الإلهي المباشر”، وهي فكرة صوفيّة موجودة في كل الأديان الصوفيّة (الهندوسيّة، التصوف النصراني، التصوف الإسلامي الخ)، وتقول بأنّ الله هو الذي يفعل على الحقيقة، ولا فاعل سواه أبدًا، وكل ما نشاهده حولنا، هو محض أشباح، أو تجليات، أو محلات تترجم بها إرادة الله، وبغض النظر عن “الأدلة والشواهد” القرآنيّة والنبويّة لهذه الفكرة، فالفكرة قديمة قدم التصوف نفسه، ولا يعدم أي مذهب فكريّ من أن يجد ضالته دومًا في القرآن والسنة ليثبت أفكاره! ت
هذه الفكرة تفسّر كل شيء، من الأفعال والأحداث والظروف الكبيرة (مثل الفقر، المرض، الحروب..) وحتى التصرفات الصغيرة جدًا (إثنان يتجادلان في أمر ما وهما يتمشيان في الشارع، فيسقط الأول بحجر عثرة، فيقول له الآخر “ها، شوفت شو عمل فيك الله”)
بينما يؤكّد القرآن على أنّ أفعال العباد الحرّة هي التي تخلق الأحداث والظروف، كالفقر مثلًا الذي يأتي كما ذكرت الآيات السابقة من إحتكار الأغنياء للمال بشتّى الوسائل.


ويمكن القول بأنّ فكرة “الإله الشرير” تجد مناخًا مناسبًا في عهود الإستبداد للنمو والإنتشار، فالمستبد، الذي ينطبق عليه فعلًا وحقًا مقولة “الحاكم الشرير”، يتمتع بصفات هائلة، كالعلم الواسع، والقدرة الواسعة، الثواب، والعقاب، بل إنّ كثيرًا من الحكّام عبر التاريخ ألّهوا أنفسهم تحت نشوة هذه الصفات، وهذا ما يجعل الوجدان الشعبي متقبلًا لفكرة “القويّ الشرير”، ومعمّما لها من حيث لا يشعر، على الله جلّ في علاه.

كما أن سلبيّة “المشاكل كشر محضّ” أسهل بكثير من الإيجابيّة التي تتطلبها فكرة “المحنة الكامنة على فرص عظيمة” والتي تحتاج إلى تفكير لإستخلاصها، وعمل دؤوب لتجليها على أرض الواقع.
وبما أن السلبيّة هي صفتنا الأقوى، فستجر وارئها أفكارًا لا تتطلب العمل والتحرّك، بل فقط الجلوس و “الصبر” على عقاب الله!

إن الذنوب الإجتماعيّة، أو الفرديّة هي أمراض تحتاج إلى علاج، وليست تحديًا علنيًا للخالق يستوجب العقاب والنقمة.
يقول تعالى{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} يقول بعض المفسّرون، أي لرحمته خلقهم، يختلفون فيرحمهم. وهي نظرة مختلفة بالتأكيد عن تلك التي نعالجها التي تفسّر كل ما يحدث على أنّه محض إنتقام شخصيّ للإله.