/ المجتمع والواقع

أيها الإله الشرير، أخيرًا 3

تسكن فكرة الإله الشرير الكثير من مفاهيمنا الدينيّة والدنيويّة، وفي هذه الحلقة الأخيرة، سأعرض للمزيد منها:

تلعب قصّة بدء الخلق دومًا دورًا رئيسًا في تحديد معالم “الرؤية”الدينيّة، لله، العالم، الإنسان، والمهمة التي أوجد من أجلها، وللأسف تشكل فكرة الإله الشرير المحور الذي بنيت عليه الرؤية السائدة لبدء الخلق.
إذ يعتقد البعض بأنّ آدم عليه السلام كان يسكن جنة الخلد مع زوجه (الجنة التي وعد بها المتقون في نهاية المطاف)، إلّا أن الشيطان أغوى آدم، فإرتكب المحذور، وعصى ربّه، “فعاقبه الله تعالى بالنزول إلى الأرض”، عقوبة له على فعلته هذه.
والمغالطات في هذه الرؤيّة كثيرة، فالله خلق آدم أصلًا كي يكون خليفته في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
هذا الحوار الدائر بين الله وتعالى وملائكته كان قبل خلق آدم، ومن هنا حُدّد الهدف والغاية، إنه خليفة في الأرض.
أما لفظ “الجنّة” فقد ورد كثيرًا في القرآن دالًا على البستان من الأرض، كقوله تعالى {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}، أو كالحوار الدائر بين الرجلين في سورة الكهف {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ}
فهذا اللفظ لا يفيد جنّة الخلد دون قرينة تلزم بمعناها، خاصّة أن مواصفات الجنة التي كان بها آدم عليه السلام تختلف كليًّا عن جنّة الخلد، فقد كان فيها الممنوع (الشجرة إياها)، وفيها حدود يسيرة من النعم {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}، وكان فيها التكليف {لا تقربا}، وكان فيها الشيطان، إذ شمله الأمر بالخروج، إلى غير ذلك من الأوصاف المختلفة عن جنّة الخلد.
أمّا لفظ “اهبطا” فهو يؤيّد القصّة لا ينفيها، فالهبوط يكون من أرضٍ إلى أخرى {اهبطوا مصرًا فإنّ لكم ما سألتم}، {قيل يا نوح اهبط بسلامٍ منّا وبركاتٍ}.
أما الإنتقال من السماء إلى الأرض فهذا يسمّى النزول {هو الذي أنزل من السماء ماءًا}، {أنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد} (لأنه آتٍ من نيازك اصطدمت بالأرض)،{أنزلنا عليكم المنّ والسلوى}،{فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء}، {إنّا إنزلنا إليك الكتاب بالحق}،{وهذا كتابٌ أنزلناه مبارك}، إلى عشرات المواضع.
الفكرة إذًا أنّ نزولنا إلى الأرض لم يأتي نتيجة عقوبةٍ ما، بل هو المراد لنا منذ البداية، وجنّة أدم بالمختصر هي بقعة من الأرض، كانت أشبه بدورةٍ تدريبيّة مكثّفة، كي يتم إعداد آدم للمرة الأولى، للمهمة الموكولة إليه.
احفظوا ذلك جيدًا: الله لم يعاقبنا بالنزول إلى الأرض، لأننا خلقنا لأجلها، أما مخالفة الأمر الإلهي الصادر من آدم فقد قبله الله بالتوبة والغفران {فتلقى آدم من ربّه كلماتٍ فتاب عليه إنّه هو التّواب الرحيم} (وهذا واحد من أهم درس قصّة الخلق: الخطأ، النسيان، العصيان، أشياء متصلة بطبيعة البشر كبشر، وما علينا سوى الإستفادة منها وتصحيحها (التوبة) )


أمر لا أريد الوقوف عنده كثيرًا، وهو بعض المرويات اليهوديّة التي تحمّل المرأة سبب “خروج البشريّة من الجنّة”، فالخطأ خطأها، مما دفع الله إلى معاقبتها بالطمث الشهريّ، عقوبةً لها على ذنبها ذلك!

«عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال المطهرة التي لا تحيض قال وكذلك خلقت حواء عليها السلام حتى عصت فلما عصت قال الله تعالى إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة»

والمرويّات إسرائيليّة، لا تصح سندًا ولا متنًا.
الطمث الشهري ليس عقوبةً من الله، بل هو الآلية التي هيّء بها الله الأنثى لأعظم وأعقد وأقدس المهمات على الإطلاق: الإنجاب.


هناك أمر آخر، مرتبط بدخول الجنّة، فهناك إعتقاد عام في الوجدان الجمعيّ لنا، كمسلمين، أنّنا وحدنا من سيدخل الجنّة (وهكذا فقط، على الهويّة)، وأما هذه المليارات التي تعجّ بها الأرض، فمصيرها إلى جهنم، لأنهم كفّار بكلّ بساطة! وهذه الفكرة تعززها فكرة “الإله الشرير”

عمومًا فالاعتقاد غير صحيح البتّة لعدّة أسباب:

  • فما ذنب رجل عاش ومات ولم يسمع بالإسلام! هو كافرٌ بمَ؟
  • ماذا عن الملايين الذين سمعوا عن الإسلام كلامًا مشوهًا، وفكرًا منحرفًا، ثم رأوا واقع المسلمين، فوجدوه مصداق ما سمعوا، فكفروا بدينٍ يدعو للجهل والتقليد والخرافة، فهل هذا كفران بالدين الحقّ؟
  • ماذا عن رجل أراد عن يبتغي معرفة الحقيقة، فقصد المكتبة واشترى موسوعةً عن الأديان، وصدف أن القائمين على هذه الموسوعة إنحازوا لدينٍ ما على حساب نشر الحقائق، ما ذنبه إن وصلته الحقيقة منقوصة أو مشوهة؟

هل يتناغم مع عدل الله، أن يعاقب هؤلاء لمجرّد أنهم ليسوا مسلمين بالهويّة مثلنا!

يقول تعالى {وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولًا}
فوظيفة الرسول إبلاغ دين الله عزّ وجل، كما يريد الله لعباده أن يفهومه، لا كما يسود في عصور التخلف والظلام، شرحه وتوضيحه كما يقصده هو تعالى، وعندها، فمَن يأبّى الحقيقة فقط لأنها لا تناسب هواه، فهذا يعدّ متكبرًا عن الحقيقة وكافرًا بدين الله.

سيقول البعض فلمَ خلق الله العقل إذًا؟ نعم خلق الله العقل لنعرف به الحقّ، لكن من رحمة الله تعالى (وهذا يخالف إعتقاد الإله الشرير) أنّه يأخذ بالأحوط إن صحّ التعبير، فشرط الكفر بالشيء أن تبلغ رسالة الله بالوضوح البيّن والفهم السليم، وهذه هيّ مهمة الرسل.

أخبار غير سارّة: لن ندخل الجنّة فقط لأننا مسلمون بالهويّة، هذا هراء حقيقةً!
أخبار صادقة: المليارات الواسعة من البشر لن تدخل النار


واحدة من أكثر الآيات التي يمكن أن تثير جدلًا وكلامًا واسعًا، وهي حقيقة لم تنل حظها أبدًا في الشرح والتفسير والتناول، رغم أنّها قد تكون مؤسّسة لمناظير جديدة نحن نحتاجها، هي قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

يبدو أنّ الأمر (الجزاء الحسن والنجاة في الآخرة) لا يقتصر علينا كمسلمين (الذين آمنوا بتعبير الآية)، بل يتعدّاه إلى طوائف نعتبرها اليوم كافرةً بالمطلق، لكن بشروط طبعًا:
الإيمان بالله تعالى إيمانًا سليمًا، الإيمان باليوم الآخر، العمل الصالح النافع للبشريّة.

لم أفسّر شيء، ولم أدّعي شيء، فقط بسطت ظاهر الآية، وأترك الأمر لأهله.


حقيقة فقد بقيت مسائل كثيرة تستوجب البحث، وهي ترتبط بفكرة الإله الشرير،كبطلان قصّة المسيح الدجّال الذي سيأتي بالشر العظيم جدًا جدًا، وفكرة فناء النار بعد عذاب أهلها، وغيرها من الأفكار التي قال بها علماء فهموا دينهم فهمًا إنسانيًا سليمًا، ولم تخرج من رؤوس سيطرت عليها فكرة “الإله الشرير”.
ابحثوا واقرأوا ودينوا لله بما تظنونه الحق، فهذا ما ستحاسبون عليه يوم القيامة


في ختام هذه السلسة أودّ إهدائها إلى دموع الأنثى الرقيقة، التي انفجرت بكاءًا نقيًا عندما قُدّر لها أن تستمع إلى بعض الأفكار السابقة … أهدي إليك صديقتي هذه السلسلة (وأعلم للأسف بأنّ لقاءنا الوحيد لن يتكرّر).
تلك الليلة التي كنت بها أتقلّب بين النوم واليقظة، بين التفكير والتأمّل، دفعتني إلى مزيد قراءةٍ وبحث، حتى تبلورت الفكرة على هذا النحو.
كان النور في دربك، ودربي، ودرب الإنسانيّة جمعاء.