/ المجتمع والواقع

أيها الإله الشرير!

مرحبًا بكم أصدقائي… منذ فترة لم أكتب شيئًا طويلا لطريفيات، هذه التدوينة طويلة، لكنها تنقد واحدة من أبرز الأفكار المضمنة في الثقافة العربية السائدة اليوم، والتي تحتاج إلى تغيير…

بإختصار فنحن** ننظر إلى التحديات والصعوبات والمشاكل التي نمرّ بها على أنها نوع من الشر، الخطأ، الخلل، العقاب، ضرر، خسارة، عقوبة من الله،** وهذا على كلّ المستويات.
الناس عمومًا عندما تمر بشيء صعب في حياتها، تحديات معينة “يا الله أنا شو عاملك لحتى عم تعمل فيني هيك؟”، أو “أكيد هي اليوم لأني ما صليت الصبح”، أو “أكيد هي لأني أذنبت الذنب الفلاني مبارح المسا”… السؤال الكبير الذي نطرحه على أنفسنا “ليش”، ليش عم يصير معي هيك، بأحد المستويات بكون الجواب غامض “شو عملت ياربي لتعمل فيني هيك”، أو بمستوى آخر بكون أوضح “هي أكيد لأني عملت كذا”..
نفس السؤال يعرض في الذهن، عندما تكون الأمور الدينية للإنسان جيدة عمومًا، التزام بالفراض، استزادة بالسنن، خدمة للآخرين، ابتعاد عن النواهي،  فيستغرب الإنسان “التعسير” و “المشاكل” و “الإخفاقات”… انو ليش!! والله ياربي أنا صالح!
يشعر الإنسان أنه محاصر من القدر، ملاحق من الحظ العاثر، مغلقة الأبواب في وجهه، منبوذ من دائرة رحمة الله.. يضجر الإنسان، ويمل، ويكاد يكفر.

فإلى أين تتجه إراداة الله؟

{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة
{وما الله يريد ظلما للعالمين} آل عمران
{يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} النساء
{يريد الله أن يخفف عنكم} النساء
{مايريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} المائدة
{ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} الأنفال
{إن ربي لطيف لما يشاء} يوسف

التيسير، العدل، التبيين، الهدى، التخفيف، رفع الحرج، التطهير، اتمام النعمة، إحقاق الحق، اللطف!
مفردات تبدو مختلفة جدًا عن الوجدان الشعبي لفكرة إرادة الله المنتقمة من عباده!

بمقابل أن التهديد والوعيد جاء مرات أقل بكثير، وكان متوجهًا ﻷعداء الرسالة

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ

والاحاديث جاءت على ذات المنوال:

عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير
لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدّر الله وماشاء فعل


نحن ننظر حقًا إلى التحديات والمصاعب والمشاكل على أنها ضرر، وعقوبة، رغم أنها في الحقيقة بخلاف ذلك!!
إنها فرص للنمو، والنضج، والإبتكار، والتمكين….
طالما كان الإنسان يحيى حياة هانئة، لا تحديات فيها، ولا صعوبات، فهذا يستحيل أن يترقى ويتطور وينضج وينمو، وإذا أتت المصاعب والتحديات فهذا لا يعني أنه سينمو بالضرورة، وسينضج بالحتمية، لكن هذا يعني أنه قد أتته فرصة للنمو، فرصة للنضج، إن إستغلها خرج منها بما كان يستحيل الحصول عليه لولا هذه المحنة.
إن التحديات التي تواجهنا، والمصاعب التي نشاهدها، ليست ضررًا ووبالًا وشرًا وعقابًا،** بل هي أفضل شيء كان يمكن أن يحصل لنا، لتحقيق ما لم يكن من الممكن تحقيقه، وهذا هو جوهر فلسفة الإبتلاء**.
الإبتلاء هو إرسال الفرص الثمينة التي يمكن تحويلها إلى أعظم الفتوحات والإنجازات، لا طريق للفتوحات سوى هذا، ولذا كان أشدّ ناسًا في الإبتلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، لأن الأنبياء أمامهم أعظم الفتوحات والإنجازات، فيحتاجون إلى دروس على قدر مسؤولياتهم.
يوسف، ألقي في الجب، وبيع كعبد، وحبس في السجن، ولم يسجّل لنا القرآن أنه أصيب بإكتئاب نفسي، منعه من العمل، ولم يشعر بأن الله يقف ضده، والحظ يتعثر أمامه، بل كان يعرف أنها أفضل فرص للنمو وإنضاج الشخصية، للوصول إلى ما لم يكن من الممكن أن يتحقق بدون هذه المحطات: الوصول الى خزائن الأرض، كان واثقًا أشد الثقة بأن الله غالب على أمره، وأنه يدبّر له الأمور.

عجبًا لأحدنا يظن بأن الله يرسل له العقوبات على ذنب ارتكبه، أو فرضيه تكاسل عنها، بينما يرسل له الله التحديات لتنضج شخصيته، وينمو إدراكه، ليتبؤ بما لا يحلم به قط.


واحدة من مسببّات هذه المشاعر، هي** الثقافة الصوفية التي ربّت الناس على تحقير ذواتهم، وتدميرها، والنظر إليها بشكل سلبي مطلق.**
على المنابر نسمع مثلًا : اللهم إنا عبادك المذنبون، المقصرون، العاصون، ‫أمرتنا فتركنا ونهيتنا فارتكبنا، اللهم انا أسرفنا على أنفسنا (الخ)
هذه الصيغة المدمرة عن الذات، تعزز فيها هذا الشعور، يقال ضمن ما يقال في فلسفة الدعاء أنه برمجة لغوية، وهذا تعريف للذات: أنا مذنب،أنا مقصر، أنا عاصي..
وبدهي أن نقول أن هذا الدعاء وأمثاله لا يمت بصلة لا لقرآن ولا لسنة، بل الملاحظ أن الدعاء القرآن والنبوي يحتوي على خلاف ذلك:

{ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا}
{قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}

وفي صحيح السنة:

(اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ وبِكَ آمنْتُ ، وعليكَ توَكَّلْتُ ، وإلَيكَ أنَبْتُ ، وبِكَ خاصَمْتُ )
[في المستوى العميق، الداعي يقول بأنه مسلم ومؤمن ومتوكل ومنيب، لا مذنب عاصي]
(اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك)

وفي دروس المشايخ يتناقلون كلامًا مثل هذا:

(يقول مالك بن دينار ما الإنسان إلا نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو بين ذلك يحمل العذرة )
أليس هذا هو الكلام الذي يردد على عقول الناس في الدورس وخطب الجمعة؟!

الإنسان المسلم، يشعر بتحقير، ودونية تجاه نفسه، خاصّة مع بعض الذنوب، أو تراخي ببعض الأوامر.
يشعر المسلم بأنه لا يستحق شيئًا، ليس لديه أي شعور بأنه يستحق ما يريد

وهذا الكلام لا يقتصر في الدعاء ودروس المشايخ، بل تحول ليكون العدسة التي نشاهد بها أنفسنا، كم مرّة سمعنا خلال العاميين الماضيين من يقول (لك نحن خرجنا حرية، لك اي والله وزيادة علينا الأسد)، هذه هي ذاتها، النظرة الدونية، التي لا ترى نفسها تستحق شيئًا، بسبب أخطاء ما ارتكبتها.
هي ذاتها التي كانت وراء جملة مثل (هلأ انت بدك تسقط النظام؟!) في بداية الثورة، وحتى قبل الثورة، هذا التشكيك بقدرة الذات، وإمكانياتها.

وإذا ما ارتكتب أحدنا ذنبًا شعر بأنه يستحق بأن يقف القدر ضده، وأن يتعثر الحظ أمامه، كيف لا وهو لم يصلي الفجر منذ أيام، كيف لا وهو لا ينفك عن المعصية الفلانية.

إنه يستحق اللعنة والعذاب والمشاكل والصعوبات!


تعود الفكرة في واحدة من أصولها إلى** الطريقة التي يستخدمها المشايخ لجلب الناس إلى الإلتزام الشعائراتي**، فالتدين هو السعادة، وهو الراحة، وهو القوة، وأن يكون الله جنبك، وأن يكون أقرب إليك، وأن يدافع عنك، وأن ييسر لك أمورك، ويفرج عنك ما أنت فيه، ويفتح عليك في الدراسة والعمل، ويهيئ لك أسباب الرزق، والحياة الطيبة، وهكذا … كل هذا وأكثر، إنت بس إلتزم.
نوع من شحادة الآخر، لأن الخطاب الديني غير قادر على جذب أحد، لذلك يتم إستخدام أسلوب أقرب لأساليب الدعاية الرخيصة الخادعة، بمشروب الطاقة، الذي سيعطيك أجنحة، ويحقق لك ما تريد..
لكن الأمر ليس على هذا النحو حقيقةً، وتبرير عدم تحقق شيء من ذلك، هو تراخ في الأوامر، أو تقصير في النواهي..
الله سيفعل عنك كل ما كان يفترض أن تفعله لنفسك، وبما أنه لم يفعل ذلك، فهذا يعني أنك رجل غير صالح، لا تستحق ذلك بعد.

إنها ثقافة تزوّر الأسباب الحقيقة، إنها تعطي حديثًا ضعيفًا مثل {إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه} مكانة مركزية في تكوين طريقة التفكير والنظر، وتلقي في غياهب النسيان قوله تعالى {قل كل نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وماكان عطاء ربك محظورًا} وغني عن القول أن الآية تتحدث عن الكافرين، فما بالنا نفهم الناس أن المذنبين مندكين من القدر والحظ والتيسير والتوفيق!