/ البرمجيات الحرة

الأسباب الفكرية والأخلاقية في استخدام لينكس!

كثير من الأصدقاء يعرفون أنني أستخدم لينكس (نظام تشغيل الحواسيب، بديل ويندوز)، أحاول باستمرار أنّ أوضّح ذلك للحميع. لكن يبدو أن السبب في استخدامي للينكس دون سواه منذ عدّة سنوات، ليس بنفس الدرجة من الوضوح، رغم أنّ ذلك مهمٌ جدًا بالنسبة لي، لذلك سأخصص عدة تدوينات للحديث عن لينكس، أريد أن أخاطب من لم يسمعني من قبل، لذلك من يشعر نفسه غريب هنا،أو أن الموضوع لا يهمه فليعلم أنّه من الشريحة المستهدفة 🙂
الإناث هنّ أيضًا من الفئة المستهدفة، لا أدري لم تشيع هذه الأمية بالحاسب في أوساط البنات بشكل هائل جدًا، على مرّ تعاملي شبه اليومي مع مجتمع لينكس العربي منذ أربعة سنوات لم أصادف أيّة سيدة هناك! ولا واحدة، هذا حقًا أمرٌ مثير للاستغراب!

فهم لماذا أُوجد لينكس يشرح غرض استخدامه: في بداية عصر الحاسوب، كانت عملية تصنيع الجهاز الواحد مكلفةً للغاية، وكان يتعذر تسويق الجهاز الجديد الباهظ الثمن دون برامج تأتي معه، لذا لم يكن هناك شيء اسمه ‘صناعة البرمجيات’ أو ‘سوق البرمجيات’ بعد، فقد كان الربح في قطاع التقنية يعتمد على سعر الجهاز فقط، لذا كانت البرامج التي تأتي معه مجانية ومفتوحة المصدر كونها لا تدخل في حسابات الربح، هذا الأمر كان عامل تشجيع للمستخدمين، فعلى الرغم من السعر المرتفع لجهاز الحاسوب إلا أن البرامج اللازمة تأتي بشكلٍ مجاني معه، وهي قابلة للتعديل لتتلائم مع مختلف الحاجات ..
مع تطور صناعة الحاسوب، بدأ حجم الجهاز يصغر، وتكلفته تقل بشكل كبير، وبالتالي لم يعد هامش الربح كافيًا بالنسبة للشركات، كما أن المستخدم لم يعد بحاجة للتشجيع ببرامج مجانية ومفتوحة المصدر مع الانخفاض المستمر للسعر ..
هنا ظهرت صناعة البرمجيات، وبدأت تظهر الشركات المتخصصة في البرمجة. ولتأمين الربح العالي صارت تفرض تلك الشركات قيود على مستخدمي برامجها متجهةً شيئًا فشيئًا نحو الإحتكار لضمان الربح الفاحش ..

أول هذه القيود كان إغلاق الكود المصدري للبرنامج وعدم إرفاقه مع النسخة المباعة منه، وذلك حتى يعود المستخدم للشركة في كل مرة يحتاج فيها لتغيرات في البرنامج حتى تتلائم مع احتياجياته، ويدفع المزيد من المال مقابل القليل من التعديل ..
ثاني هذه القيود هو أنه لا يحق للمستخدم أن يقوم بإهداء نسخته التي قام بشرائها (وبالتالي إمتلاكها وإمتلاك حرية التصرف بها كما يفترض) لصديقه أو جاره الذي قد يحتاج البرنامج ولا يملك ثمن النسخة منه، بل وأكثر من ذلك فيما بعد فقد سُنّت القوانين التي تمنع المستخدم من استخدام البرنامج على جهازين يمتلكهما في بيتٍ واحد، أو على مجموعة أجهزة في شركته، بل يحتاج لشراء برنامج آخر لكل جهاز! (وداعًا للشاب الذي كان يفكّر بتكوين مؤسسته الفتيّة)
ثالث هذه القيود، هو تجريم دراسة كيفية عمل البرنامج، حتى لا يمكّن ذلك أحد من تصنيع برامج شبيهة (بالمناسبة هذه القوانين معمول بها في معظم أنحاء العالم، وهي ستأتي إلينا لا محالة). بعض البرامج تفرض قيودًا أخرى على الأماكن التي يعمل بها البرنامج (دول معينة فقط، كبرامج آبل)، أو الأزمنة التي يعمل بها (مثلا سنة، تحتاج بعدها لشراء نسخة جديدة، كمكافحات الفيروسات).
هذه القيود – وأكثر! – هي واقع معاش في معظم دول العالم، وتُفرض الغرامات المالية لكل من يخالفها، وهي قادمة إلينا، والمسألة مسألة وقت ..

كل هذا دفع مجموعة من المبرمجين في ثمانينات القرن الماضي، لتشكيل مؤسسة مجتمع مدني، تعني بإنتاج البرامج بالطريقة التي كانت عليها سابقًا مع بداية عهد الحاسب، ترى هذه المجموعة أن ازياد احتكار الشركات للبرامج بهذه الطريقة يشكّل خطرًا على مستقبل التقنية، ويهدد حرية مستخدميها، حيث كثيرًا ما ثبت أن تلك البرامج، الأشبه ما تكون بصندوق أسود مجهول المحتويات، تتجسس على مستخدميها مثلًا وتقيّد استخدامهم للتقنية والمعلومات وتبادلها مع اﻵخرين ..
ريتشارد ستولمان، هو مؤسس هذه الحركة، وذلك عام 1983، مع مجموعة من أصدقاءه، وأطلقوا اسم : مؤسسة جنو (GNU) على تجمعهم.
لاحقًا تم استخدام كود برمجي ضروري لهذا المشروع يدعى النواة كتبه مبرمج فنلندي اسمه لينس، وكان قد أطلق على هذا الكود – النواة اسم : لينكس.
لذلك فالاسم الكامل لهذا النظام هو جنو لينكس.

إذا لدينا توجهين أو مذهبين في التقنية أساسًا : الإعتماد على الشركات ومنتجاتها، أو الاعتماد على المجتمع ومؤسساته المدنيّة.
تدور الأولى حول قيم مثل (الإحتكار، الربح الشجع، استغلال العمالة، تجريم التعاون، منع التشارك ..)، وتدور الأخرى حول القيم المغايرة تمامًا.

ليس هذا فحسب،تشكّل هذه الشركات العملاقة الإحتكاريّة خطرًا على المستخدمين، من ناحية الخصوصيّة ومقدار صونها والمحافظة عليها، ومن ناحية أتلال المعلومات التي تملكها هذه الشركات عن أدق تفاصيلك.
يمكنني تشبيه كل موقع ضخم (مثل جوجل، الفيسبوك، الخ) بأنه فرع أمن، فمالذي يعطي أفرعة الأمن قوتها وسيطرتها الشديدة وقبضتها الحديدية ؟ هو مقدار ما تملك من معلومات حول المواطنين.
تخيلوا مثلًا أن تشتري المخابرات السوريّة كل المجموعات المغلقة على الفيسبوك، هذا يعني ببساطة انكشاف كل شيء .. كل شيء على الإطلاق، وعندما تكون لديك معرفة مطلقة ستكون لديك قدرة مطلقة.
هذا السيناريو غير قابل للتحقيق تقريبًا، لكن هناك سيناريو آخر، هو أن تتعاون إدارة الفيسبوك مع الموساد الإسرائيلي أو السي آي ايه الأمريكي، للحصول على كم المعلومات التي يسيل لعاب أي مخابرات بالعالم للحصول عليه.
هل نظن يومًا بأننا قادرون على مواجهة إسرائيل ومن ورائها أمريكا بأدوات أنتجوها هم!
هل نظن بأنهم سيدعوننا نستخدم هذه الخدمات لمواجهتم والحشد والتعبئة والتخطيط ضدهم!
الخصوصيّة ومقدار المعلومات عنك هي فقط أمثلة حول كيف تشكل هذه الشركات العملاقة خطرًا يحيط بالملايين حول العالم، لكن الخطر تجاوز ذلك ليصبح محيطًا بشبكة الإنترنت نفسها! (مثل قانون SOPA الأخير، وغيره الكثير من الخطوات التي تتخذ فعلًا لتقييد حريتك ومراقبتك طوال الوقت على الشبكة وتحديد ما يسمح لك وما لا يسمح لك فعله)

لذا فإن الحديث مثلًا حول مقاطعة جوجل يعجبني، لكن بشرط أن لا يكون بإتجاه دعم شركة أخرى بذات الفكر، بل أن يكون تجاه المجتمع التقني.

ما هو المجتمع التقني ؟
هو ببساطة جمع الناس الكبير جدًا على شبكة الإنترنت، والذي يؤمن بأن التقنية يجب أن تكون حرة (الحرية بمعنى عدم تقييدك بأي شيء، سوى المحافظة على هذه الحريّة) ومتاحة للجميع (الإتاحة بمعنى الإطلاع على كيف تعمل هذه الأشياء، والقدرة على تعديلها، وليس بمعنى الاستهلاك)، هذا الجمع الكبير، منه من يتقن البرمجة، ومنه من يتقن التصميم، ومنه من يعمل على تطوير المواقع، ومنه من يكتب ويؤلف .. الخ
هذا المجتمع يخدم نفسه بنفسه (الأجزاء تخدم بعضها) بشكل مجاني غالبًا، لكن الأهم، بشكل حرّ ويحفظ استقلاليتك الكاملة وخصوصيتك المطلقة (كفرد أو كجماعة).

مالذي قدمه هذا المجمتع ؟
– نظام التشغيل جنو لينكس.
– مئات الآلاف من البرامج المتوافر لعدة منصات (ويندوز، لينكس، ماك)، ومعظمها يلبي طلبك
– تقديم فكرة بديلة لإعادة تكوين شبكة الإنترنت، بحيث تقوم على اللامركزية في التشغيل

البعض يقول أن هذا المجتمع لا يلبي حاجتنا تمامًا، وهو ليس بمستوى هذه الشركات .. لكن هذه الشركات أيضًا لم تنمو وتصل إلى ماهي عليه اليوم إلا عندما بلغ عدد مستخدميها الملايين وباتت تحقق مداخيل مادية وتراكم من تجربة استخدام (وبالتالي الكشف عن الاخطاء، التبليغ عنها، الرفد بأفكار التطوير) ما جعلها تصل إلى ما هي عليه اليوم.

أتمنى أن أكون قد وضّحت لمَ استخدام البرمجيات الحرّة (ومنها لينكس) هو موقف فكري وأخلاقي.
في التدوينة الثانية سأتحدث عن كيف يمكنك الحصول على نسخة من لينكس، وكيف تركبها إلى جانب ويندوز.

أسئلتكم مثار سعادتي 🙂