/ المجتمع والواقع

الإنقلاب الخريفي .. التغيير دون عسكرة!

منذ ثلاثة أيام مر يوم الإنقلاب الخريفي (لا ليس عسكريًا) ، تغيب الشمس خلف الغيوم، تطل بين الفينة والأخرى على الأرض، تودعها : إنّي ذاهبة قليلًا ثم أعود .. وما إن تبدأ الشمس – القدوة، في عملٍ ما حتى تتبعها الطبيعة بعضها وراء بعض، تمتلئ الشوارع عنّا بأوراق الأشجار المتساقطة(دعك الآن من علي رضا!) ، ولا أدري هنا من يودع من، هل تودع الأوراق أشجارها، أم العكس ..
تمرّ أسراب الطيور من فوقنا، بالعشرات الكثيرة، مهاجرة إلى مكان أفضل، الطيور مؤمنة بالقدر أكثر منّا، فرغم أن تضررت من أعمال القصف والقتل، لكنها لا تهاجر إلا عندما تصبح الحاجة ملحّة للغاية، قدوم الشتاء مثلًا. سلحفة الجيران تحزم حقائبها وتستعد لسبات طويل، وربما الأهم من كل ذلك على الإطلاق : الصراصير، التي تودعنا على أمل لقاء آخر 🙂

أحب الشتاء وأتشوق له كما في كل عام، يشاركني في هذه المشاعر الملايين حول العالم، وهذا غير مرتبط بالضرورة بالقدرة على التدفئة، دومًا هناك من يأتي ليذكّرك بالآخرين (الفقراء الذين لا يملكون ثمن الوقود، ممن سيكون عليهم الشتاء وبالًا) دون أن يخطر على باله بأنك واحدٌ من هؤلاء الأخرين 🙂
تتحدث عن فرح ما، حدث ما تستشعر به الجمال (هذا الحدث يمر بالجميع، لكن لدى معظمنا أسباب كافية لعدم رؤية الجمال بمثل هذه الاحداث البسيطة)، فيأتي من يذكرك بالفقراء، المنكوبين، المشردين … لسنا مفصولون عن واقعٍ نحن جزءٌ منه أصلًا، وجزء من هذه المعاناة.

هناك فكرة مهمة للغاية، تقول بأن شعورك الداخلي لا يتوقف بشكل حتمي على ظروفك الخارجيّة، فقد أودع الله بداخل كلّ منّا القدرة على الرضا والسعادة، ولم يجعلها مرتبطة حتميًا بما يحيط بنا مما لا يمكننا تغييره في كثيرٍ من الأحيان، حول هذا المعنى يقول ابن تيمية : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ أنا جنتي و بستاني في صدري .. أين ما رحت فهي معي .. أنا حبسي خلوة .. و نفيي سياحة . و قتلي شهادة .
وهذا ليس نفيًا للحظات اليأس والحزن والتشاؤم التي تمرّ بنا، لكنّه يؤكد على إمكانيّة الخروج منها، وحصر آثارها على عالمنا الداخلي الخاص.
السعادة والرضا اللتان أتحدّث عنهما لا يمتان بصلة لمظاهر الفرح والغناء والرقص والسهرات والمقاهي التي كانت تمرّ بها مدن لم يكن قد تعرضت لأعمال الأسد، بل عن استمتاعك بفنجان القهوة وأنت تحت القصف، استمتاعك بمنظر الشمس في السماء، بينما لا تعرف كيف تدبر أمورك الماليّة.

في العام الماضي أمضينا فترات عدّة من الشتاء دون تدفئة، وأحسننا ببرد شديد، وأظن بأن هذه الفترات ستكون أطول بكثير هذا الشتاء، مع ذلك : أنا أحب فصل الشتاء وأستمتع به ومتشوّق له 🙂 بدلًا من الشكوى عن الثورة والحرية 🙂 والأوضاع السيئة يمكننا حقًا الاستمتاع!
نحن لا نحتاج إلى تذكير الشخص الذي يجد الفرح في شيءٍ ما بسيط من حوله، إلى مقدار الألم والمعاناة دومًا، بل نحتاج أن نذكر من دخل في دوامة من الإكتائب والتشاؤم والإحباط أن الأمر ليس بهذا السوء على الإطلاق، وأن بإمكاننا أن نحيى بأفضل ما يمكن دومًا

لم أكن أرغب في الدخول في مثل هذا الحديث، أين كنا ؟
نعم في الخريف ..

أدري إذًا أن ملايين كثر تستعد فرحًا بالشتاء، لكني لا أدري شيئًا حول من يشعر بالخمول في فصلي الخريف والربيع مثلي 🙂 وكنت قد بحثت في الشابكة حول الخمول في فصلي الربيع والخريف، وكثرة النوم، ووجدت بعض التفسيرات العلميّة.
فإنخفاض درجات الحرارة (الذي يبدأ في الخريف) يؤثر على درجة حرارة أجسامنا الداخلية ببضعة أعشار الدرجة المئوية مما يبطئ عملية الأيض (الأيض هو عملية حرق الغذاء لاستخراج الطاقة منه).
وكرد فعل عن التغييرات المناخية تقوم بعض الأجسام بزيادة إفراز هرمون النوم، كطريقة في التعامل مع الطقس الجديد.
كما أن غياب الشمس في الخريف، يخفف من إفراز هرمون النشاط، وقلة الإضاءة الناجمة عن ذلك، تعطي إيحاءًا للجسم بالخمول والنوم (الساعة البيولوجية داخل كل منا تعمل على الضوء ت)
والأمر كله لا يحتاج إلى أي قلق، فهو أشبه بالاضطرابات التي تحدث أثناء القيام برحلات جوية طويلة، حيث يخرج الجسم عن إيقاعه، لكن خلال أسبوعين إلى ثلاثة يتأقلم الجسد مع الحالة الجديدة 🙂

وبينما نجد الإحتفال بالربيع شائع في الكثير من ثقافات العالم، إلا أن بعض شعوب العالم (اليابانيون والصينيون خصوصًا) يحتفلون بالخريف! في مهرجان منتصف الخريف، وهو اليوم الذي يوافق يوم الإنقلاب الخريفي في التقويم الشمسي.
وهو يوم عطلة رسمي، وواحد من أهم عيدين في التقويم الصيني، أكثر ما يعجبني في هذا العيد كعكة القمر التي يأكولونها فيه وهم يراقبون القمر ويتأملونه على ضوء المصابيح (جلسة بسيطة جدًا ورائعة جدًا )

يبدو أنه عليّ أن أتوقف الآن عن الكتابة، لأتابع دراستي ..