/ فيض قلمي

الهدية الإلهية ..

أحيانًا يرسله – تعالى – على شكل هديّة لنا، دون طلب منّا، وعلى الرغم من أننا دائمًا ما نفرح بالهديا، إلا أنه هديةً كهذا النوع، كثيرًا ما تواجه بالرفض، وبطريقة غير لائقة .. سبحانه ما أعظمه، لا يمنعه ذلك من أن يعيد المحاولة مراتٍ أخرى .. علها تنجح إحدى المحاولات، ويقبل ابن آدم الهدية .. أو يفهم أنها هدية أصلًا ..
وأحيانًا يرسله – تعالى – إستجابةً لدعوة قلب محروق، آن يخلصه مما هو فيه، قلب ينشد التغيير والتخلص من واقعه والإرتقاء إلى ما يجب أن يكون، كان يسأله في كل سجود أن يعينه وأن يوفقه ويشدّ من عزمه، وييسر له، ويجلي مافي قلبه من حزن، ويشحنه مضاءًا وقوةً .. كان يطلبه هو، لكنه تعالى، استجاب لدعوته بطريقةٍ تناسب ناموس الكون في الأسباب والمسببات ..
أحيانًا أخرى، لا يرسله تعالى للمرء، ربما لأن صاحبنا استنفد عدد محاولاته، وأثبت إصراره على رفض كل هدية، كل هدية .. لكن حرقة قلب أم، وبكائها في ساعة متأخرة من الليل، وشكواها حال ابنها إليه تعالى .. ربما دموع الأم الحارّة تولّد استنثاءً آخر لإبنها، ليحصل على ‘واحد’ … أحيانًا .. يكون السبب كلمة ‘الله يغضب عليك، غضب قلبي وغضب ربي’!! تخرج من قلب أبٍ ثمانيني بحق ابنه العاق .. تخرج هذه الكلمة في ‘لحظة’ غضبٍ، وهي لا تحمل من المعنى سوى الحرقة واللوعة على ابن ما عاد يشبه الأبناء في شيء، يغلق الأب الباب على نفسه، فالدموع الرجال عزة كبيرة .. عندما تخرج الدمعة الحارة من المقلة، وتجد طريقها في تضاريس وجهٍ امتص الزمان اشراقته، وتقف على حافة وجنة متجعدة، وعندما ترتفع يد مرتجفة لتمسح الدمعة بكبرياءٍ منكسر .. عندها يخرج استنثاء .. لذاك الولد، عله ينصلح حاله ..

تتعدد الطرق .. لكن الصديق/ الكنز هو ذاته .. تكون ذاهبًا لأداء الفرض في المسجد، في ليلةٍ بادرة ممطرة، أو صيفيةٍ صافية .. هناك، حيث لا أفضل من هناك، تنظر إليه، وجهٌ نوراني مشرق، أحيانًا تشعر بأنك تريد التعرف عليه، وأحيانًا أخرى تشعر بأنك تعرفه حقًا، وكثير من الأحيان لا تخطط لشيء .. فالهدية تأتي مفاجئة دومًا ..
الطُعم يعلق غالبًا، لكن المهارة في الإصطياد بعد ذلك .. كُثر هم من ينتظرون منه تعالى، شيئًا أكبر، وأهم .. همهم يتجسد في شيءٍ ‘مادي’، ‘ملموس’ .. وطالما أن ذلك هو ما يبحثون عنه فقط، فعندما تأتيهم هدية من هذا النوع، لن يبالوا بها، وستمر، كما مر غيرها الكثير ..
‘لحظة’ ما، لا تكون بعيدة غالبًا، تمر علاقتك مع هذا الشخص بمنعطف مبكّر، وتأخذ بالإرتقاء والاستقواء .. ليصبح صديقًا مقربًا .. سلسلة من الامتحانات والاختبارت تمر بها العلاقة بعد ذلك، مشاكل، سوء تفاهم، زعل .. أشياء ضرورية، بإعتبار أن سنة الاختبار مازالت باقية إلى قيام الساعة، وأنها مفتاح الهدايا … بعدها يتحول صديقك المقرب .. إلى الصديق المقرب، الخليل .. الذي لن تجد مثله قط ..
القوة والدعم التي كنت تبحث، والقلب الذي يغمرك حبًا، والأذن التي تسمع لمشكلتك، واليد التي تمسح دمعتك، والعقل الذي يرشدك إلى خيرك، والقدم التي تسعى لك، والعين التي يسرك النظر إليها، واللسان الذي يلهمك، واللمسة الحانية التي تحتاجها، والصدر الذي يتسع لمشاكلك، والظهر الذي يكون لك سندًا ..
شكرًا بشير … شكرًا بحق!

أحيانًا أخرى لا تسير الأمور بمثل هذه الرومانسية المثالية، فأحيانًا ما تنوي التقرب من شخص، وضع أمامك في الطريق، ربما لشعورك بثقل واجب ‘الهدية’، وأنه أيضًا يجب أن تكون هديةَ أحدهم ..
ولا تسير الأمور بشكل مفهوم هنا – ومتى كان بالإمكان أن تفهم منطق الهدايا الإلهي – فمقابل كل محاولة منك للإقتراب تقابل بالصد والبعد .. الأنكى أنك تجد نفسك ترد على تلك الصدود بمزيد تودد، ومزيد تلطف ..
ربما تمضي الأشهر، حتى تثبت إصرارك، أو حتى يذوب عناده ..
أشهر تتعرض فيها أحيانًا للإهانة لأنك تريد التقرب من فلان، وقد يكون هذا مفهومًا احيانًا، لكنه الذي لن يكون مفهوم ابدًا، أن ترد على الإهانة بحبك وإهتمامك ..
في تلك ‘اللحظة’ تحدث المعجزة … صديقك الذي لم تعد تريد، يذرف دموعًا حارة، يخبرك في اتصال هاتفي، بأنه لن يسمح لك بأن تتركه، وبأنه بدأ يجد طريقه وذاته معك .. في تلك اللحظة حينما لا تبصر أنت غير كتلة من الشقاء، يكون هو قد أدرك أي هدية كنت ..
وتبدأ سلسلة التفاعلات، التي أسبتت ربما لسنوات، بإتيان نتائجها .. وتشعر هنا بأنك تثمر ..
لن تكون علاقةً ما في حياتك، مثل هذا سيكون علاقة تغمر حياتك ..
بعدها ستجد الصدر الذي تبكي عليه، والأذن التي تنصت لك، وكل مالم تتوقع أن تجده، صديق التغيير لا يتغير .. شكرًا تمّام .. شكرًا بحق!

الأكثر غرابة .. في عصر الغرابة .. أن علاقات كهذه تنشأ بطرق عجيبة .. مع أشخاص يبعدون عنا أميال وأميال .. في محافظات أخرى .. أو حتى في دول أخرى ..
تلك الغرابة تستدعي حقًا أن أقف لأتأمل قليلًا .. الهدية تعبّر – دومًا – عن كرم صاحبها، لكنها عندما تكون منه سبحانه .. تحمل من المعاني .. ما لايتسع في مقالٍ واحد ..

طابت أوقاتكم