/ فقه الثورة

تساؤلات حول ثورات اللاعنف

أحيانًا يستشهد أحدنا بثورات أخرى وقعت بالفعل، خاصة ثورات شرق أوروبا، محاولًا أن يستخلص منها دروس وأفكار تدعم فكرة ما لديه، وخاصة مسألة اللاعنف وحدود السلمية، لذا بحثت في الشبكة وعدت لمراجع عديدة ووصلت إلى مجموعة من الحقائق التاريخية، وأتبعتها ببعض التساؤلات.
لكثرة ماقرأت فقد كان من المفترض أن أدوّن كتيب صغير في هذه المسألة، لكن لعلمي بأنه لن يحظى بالقراءة من الكثيرين، لذا فقد أحببت أن أعرض الأفكار عن طريق نقاط مركزة ومختصرة :

لم يكن تحول أوروبا الشرقية نحو الديمقراطية سهلاً بالطبع، ولكن توافرت له ظروف خاصة. فلاشك في أن تجاور أوروبا الشرقية مع مثيلاتها الغربية قد سهل انتشار ثقافة الحرية وحقوق الإنسان، والتي كان لها دورا أساسي في تقويض دعائم الأيديولوجية الشمولية، فضلاً عن تقديم الاتحاد الأوروبي النموذج والدعم في آن واحد لمثل هذا التحول. ولذلك، كان التغيير في أوروبا الشرقية متدرجاً (بل ربما بدأ خجولاً منذ توقيع اتفاقية هلسنكي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي)، ولم يكن ثوريًا أو عنيفًا، إذ إن التحول الديمقراطي هناك اعتمد علي مجتمع مدني قوي تحرر بعد قمع أمني طويل, وإصلاحات داخل الأحزاب الحاكمة ووجود قضاء مستقل وإعلام حر، ومعارضة تقريبا موحدة متزامنة مع بروز جيل جديد من الناخبين مثلما تم من خلال الانتخابات كأداة للتغيير كما حدث في سلوفاكيا 1998، وأوكرانيا 2000، وفي صربيا 2000، جورجيا 2003، وأوكرانيا مرة أخري 2004، حتي أطلق عليها “ثورات انتخابية”، لأن فوز المعارضة في الانتخابات شكل البداية لعملية تغيير كبري أفضت إلي الانتقال إلي الديمقراطية.

في مطلع عام 2005 تمكن مئات الآلاف من المتظاهرين سلميا فيما عرف بالثورة البرتقالية من تغيير نظام الحكم في أوكرانيا في مشهد عُدّ الأكثر تأثيرا منذ سقوط حائط برلين.

اليوم، وبعد خمس سنوات من ذلك الحدث يطيح الناخبون الأوكرانيون بزعيم الثورة فيكتور يوشينكو ومن بعده شريكته يوليا تيموشينكو، وتخرج كبرى وسائل الإعلام في العالم بعناوين متشابهة مفادها “الموت الحزين للثورة البرتقالية”
مالذي جرى ؟
لقد وقف المواطن الاوكراني خلف الثورة البرتقالية دعمًا لمواجهة طبقة فاسدة من رجال الأعمال أغرقت البلاد بالفساد. بعد خمس سنوات زادت نسبة من يعيشون دون خط الفقر إلى 37% من السكان !!
الحقائق التي تم ترجمتها لاحقا من الداخل الأوكراني تشير إلى أن الثورة البرتقالية وصلت بتمويل بعض رجال الأعمال المناوئين للنظام القديم.
السبب الاول لفشل الثورة كما يقول المحللون عدم تبني يوشنكو سياسة القبضية الحديدية تجاه رموز الفساد (هو لايملك المقومات اللازمة لذلك في شخصيته كما يذكر المحللون) وبالتالي عدم الحزم أو استخدام العنف في موضعه أدى إلى فشل الثورة.
واليوم فإن الوعود بتبني العنف والحزم تجاه المفسدين يعتبر من اهم بنود التنافس على الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا تقول إحدى المرشحات بأنها “تشعر بإعجاب بالغ بالنموذج الصيني الذي يقطعون فيه رقاب وأيادي الفاسدين والناهبين للدولة”.

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأزومة التي تعيش في ظلها جماهير أوروبا الشرقية حالياً تثير العديد من التساؤلات حول الثورات التي قامت نفس الجماهير بها منذ عشرين عاماً.

فأرقام معدلات البطالة والفقر ومؤشرات التنمية والتعليم تجعلنا نتسائل : لماذا لم تحقق تلك الثورات لأبنائها شيئًا من ذلك ؟ وأين كان مكمن الخطأ ؟
(الأرقام موجودة لكن عرضها سيطيل الموضوع، وأذكر على سبيل المثال أن بلدان شرق أوروبا تعاني من تضخم وصل لعام 2009 إلى 13% كما تعاني الجماهير من فقدان الوظائف نتيجة الإغلاق المستمر في المصانع وتقليص أعداد ومرتبات موظفي الدولة).

حقيقة تاريخية لمن يتحدث عن نجاح ثورات اللاعنف : البلد الوحيد الذي استخدم فيه العنف المسلح على نطاق واسع في أوروبا الشرقية إبان فترة الثورات فيها، كان من قبل الديكتاتور الروماني السابق شاوشيسكو لقمع العمال المضربين والمتظاهرين في الشوارع. لكنه فشل في قمع الحركة والقضاء عليها، واستطاعت الجماهير الثائرة السيطرة على مقار الشرطة وأسلحتها وهددت بتفجير مصنع للكيماويات وانتهى الأمر إلى إعدام شاوشيسكو وزوجته يوم رأس السنة عام 1989، وتم بث ذلك للعالم كله على شاشات التليفزيون.

(البلد الوحيد الذي استخدم فيه الجيش، رد المتظاهرين بالسيطرة على المقار الامنية وسلاحها،و هددوا بتفجير المصانع الكمياوية، هذه ملاحظة لمن يستشهد بأوروبا الشرقية كمثال على الوقوف بوجه الدبابة بصدر عاري)

ثورة الهند هي أم ثورات اللاعنف في العالم، فماذا لو تسألنا : مالذي حققته هذه الثورة للهند على الصعيد الداخلي والخارجي ؟

أذكر مثالين بعجالة أحدهما للوضع الداخلي واﻵخر للوضع الخارجي :
تعتبر الهند الدولة رقم واحد في العالم في نسبة عدد الفقراء إلى عدد السكان، وتعلمون مايتبع الفقر من انخفاض مستوى الصحة والتعليم …
خارجيًا فإن سياسة الهند الخارجية مازالت مرتهنة لبريطانيا (المستعمر ذاته الذي يقال بان غاندي طرده باللاعنف) فمن منكم سمع بيان للهند (التي ثارت على الظلم والاستعمار البريطاني كما يفترض) يستنكر الظلم والاستعمار الصهويني في فلسطين المحتلة! أو يستنكر الظلم والقمع في الدول العربية حاليًا (الهند كانت من الدول القليلة التي رفضت التصويت في جلسة مجلس اﻷمن الأخيرة حول سوريا)

هل اتباع مبدأ اللاعنف، وعدم تصفية كبار رؤوس الفساد والإفساد والاستبداد، و الاحجام عن تلقين درس ردعي للفاسدين أوصل إلى تلك الثورات إلى ذلك ؟

هل صحيح أن محمد عليه الصلاة والسلام دخل مكة دون قطرة دم واحدة؟ ألم تساهم المعارك والغزاوت التي سبقت فتح مكة بتصفية جميع رؤوس الكفار وتشكيل حالة خوف من الوقوف في وجه التغيير آنذاك ؟
أكرر : تصفية الروؤس، وتشيكل حالة خوف من الوقوف في وجه التغيير .. وليس عسكرة الثورة