/ المجتمع والواقع

تعقيب بسيط على مسلسل الولادة من الخاصرة 3

شاهدتُ هذا العام مسلسل الولادة من الخاصرة في جزئه الثالث، منبر الموتى، من  تأليف الكاتب سامر رضوان، وإخراج سيف الدين سبيعيّ، مدفوعًا بالمقطع الترويجيّ الذي حمل لقطات مثيرة للغاية، ولم يخب التوقع، فقد جاء المسلسل قويًا، صادمًا أحيانًا، وصادقًا معظم الوقت.
أفضل ما في العمل: السيناريو، لصدقه وواقعيته وجرأته، إذ عرض المعلوم والمستور، وشمل الكثير من الأحداث والتفاصيل، بدءًا من المظاهرات السلميّة الأولى، حتى قصف المدن والبلدت بالطائرات والمدفعيّة، ربّما كان هناك مشكلة في الإخراج الذي لم يأتي على مستوى عمل كهذا.
العبارة التي تكرّرت مع بداية كلّ حلقة، تنبّه إلى أنّ المسلسل ليس عملًا توثيقيًا، وإنما هو استفادة دراميّة من «الأحداث » الجارية في سورية، لرسم مصائر الشخصيات الأساسيّة في العمل، والتي جرى بنائها في العامين الماضيين، ربما كمحاولة للردّ على أيّ مقارنة بين ما جرى في الواقع وما تمّ تصويره.
يعرض العمل الفنيّ (استمرارًا على ما يبدو لنهجه السابق) كل أشكال القهر والظلم الذي تمارسه الدولة الأمنية الحاكمة، على المجتمع، وهو في هذه المقاربة، عمل متقدّم للغاية، تخطّى كل الخطوط الحمراء، بل وربّما ألغى مفهومها.
فالشرّ والقهر والظلم مصدره واحد، الدولة الأمنيّة، التي تمتلك فكر استبدادي شموليّ و صلاحيات مطلقة، وقلب حجريّ، ويد حديديّة، فتنطلق لتعيث فسادًا لا حدود له، دون توقف حتى أمام الأمواج المجتمعيّة العاليّة (الثورة والتحرك الجماهيري) لتراجع نفسها، بل تبدي غباءًا في فهم نشطاء المجتمع المدنيّ، فهمٌ يقوم على التخوين والعمالة للخارج، فقط لا غير (يتسائل رئيس فرع أمن في إحدى اللقطات إن كان المتظاهرون سوريون حقًا أم لا!) ، وأنّ كل شيء خاطئ يمكن حلّه (لاحقًا) – لاحقًا استمرّت حتى خمسين عامًا ولم تأتي.

يصوّر العمل إذًا كل خلفية الظلم الاجتماعي والضنك المعيشي والفساد الاقتصادي والاستبداد السياسي (لم يتمّ تناول هذه الأخيرة تمامًا) ، الناتجة عن بنية الدولة الأمنية، والمنتجة لكل مناخات وعوامل تفجّر ثورة شعبيّة.
وما ان تنطلق شرارة الاحتجاجات السلميّة، حتى تبدأ أفرع الأمن بالتعامل معها بذات العقليّة، إذ تصوّر أحد المشاهد الممثل نجاح سفكوني (رئيس فرع أمن) وهو يصدر الأوامر بالتعامل ببطش مع المتظاهرين السلميين، مؤكدًا أنه يعرف دوائهم، وهو البطش، والاعتقال والتنكيل، وذلك لتهمة واحدة يرددها دومًا أمام المعتقلين: بدكن حرية..
بل ويصدر الأوامر بفتح النار على المتظاهرين، تارةً برأيه الخاصّ وتارة بقوله «اجتني الأوامر من العاصمة بفتح النار».
ليس الأمر مقتصرًا على أفرع الأمن، بل يصوّر المسلسل اجتماعات القيادة العليا وهي تتداول الآراء حول السبل الأمثل في التعامل مع الأزمة الجارية، ودومًا يكون الخيار الأمني هو الفائز «لازم نضرب بيد من حديد».

يتابع المسلسل عرض المظاهرات السلمية الحاشدة (بإقتباسها من اليوتيوب كما هي، أو نقلا عن قنوات فضائية أخرى كالجزيرة)، والتعامل الأمني ومن ثمّ العسكريّ معها، ويعرض لنقاشات داخليّة (بين الأصدقاء، الأسرة الواحدة، أبناء الحارة) وكيف تشكلت نواة الثورة بشكل عفويّ وطبيعيّ، وأن الحل الأمنيّ لم يزد المتمردين إلّا عددًا وإصرارًا… وبشكل مبهم وغامض ومختلط يعرض المسلسل لبدء تمرد منشقين من الأمن، وحمل مدنيين للسلاح، لتشكيل كتائب مقاومة.

حذِرًا تعامل المسلسل في مقاربته للجيشّ السوريّ، إذ يشاء الكاتب أن يرينا ضابط الأمن الشريف (المقدم فايز، وهو شخصية لا نشكّ بوجودها على أرض الواقع، بغض النظر عن نسبتها الكليّة ودورها) وقد استلم قطعة عسكريّة، فيصدر الأوامر بالتعامل الأخلاقيّ مع المدنيين، وبعدم إطلاق النار إلّا على من يطلق النار على الجيش.
كما لم تشهد الحلقات عرض إنشقاقات عسكريّة (كانت الانشقاقات أمنيّة وسياسيّة فقط، وغالبًا لمصالح فرديّة)، لكن ذكرت أحد المشاهد حوارًا بين سيدة اقتحم العساكر منزلها للتفتيش، وبين المقدّم فايز، فبعد أن يأمر المقدّم عناصره بالتعامل باحترام مع المنزل، تسأله السيدة لمَ يمثّل عليها، ذاكرةً أنه في المرّة الماضية عندما قدم الجيش للتفتيش «خربوا المنزل، وكسروه، وما راعوا حرمة البيت»، فيخبرها المقدّم بأن أولئك «جيش ومو جيش… وفهمك كفاية» في إشارة على ما يبدو لجيش الدفاع الوطنيّ أو قوى الأمن والشبيحة الذين تمّ تعميم اللباس العسكريّ إليهم.
بكلّ الأحوال فقد عرضت لاحقًا مشاهد قصف للبلدات والقرى التي تعجّ بالمدنيين.

المستفيدون من الأزمة، شريحة أخرى يعرضها المسلسل، بحسب تعبير جابر (شبيحة الطرفين)، وهم شبيحة الأمن، الذين ارتزقوا من بيوت المدنيين، بدءًا من سرقات حملات التفتيش وحتى سرقة البيوت بكلّ مافيها، وتكوين بازارات البضائع المسروقة (سوق السنّة)، إضافة إلى الطبقة العالية، أبو إياد وصديقه الدكتور (الذي استلم ملف إدارة الأزمة لاحقًا حسب المسلسل) مستفيدين من الدمار الحاصل، بل وساعين له، للحصول على صفقات إعادة الإعمار لاحقًا.
وفي الجهة المقابلة، المنتسبين للثورة، والعاملين لها، هناك أمراء الحرب (مهران وزلمه)، الذين جنوا مناصب عسكريّة في المؤسسة الجديدة (الجيش الحرّ)، ومالًا وسلطة.
وبالتأكيد سيكون المأزون بين الطرفين: تجار السلاح.

الإعلام، غباءه وخطابه الكذاب، واحدة من الأشياء التي تناولها المسلسل صراحةً (ظهور أبو الزين على قناة تابعة للنظام)، إضافة إلى التشبيح في الجامعات، وساخات الحواجز التي أقامها النظام، السرقات، ألم النزوح، والضياع الحاصل مجتمعيًا لدى شرائح قدّمت الكثير (كل ما تملك تقريبًا)، ثم وجدت نفسها لم تحصل على شيء.

كما يعرض المسلسل الحوارات الداخليّة بين أفراد الجيش الحرّ، والشعور بالورطة الموجود عند بعضهم، ورفضهم لأخطاء زملائهم المتسرعين “كل ما عم نفوت على منطقة عم يقصفها الجيش، لك الناس كرهتنا”، «بقص ايدي اذا مافي معنا مخبر»، «لك الناس صارت عم تدعي علينا»

جابر، هو الشخصية الوحيدة ربما غير الموجودة على الأرض، وهو يعمل لإنهاء الشبيحة من الطرفين بالقتل (في نهاية المسلسل نراه عاملًا في المجال الإغاثيّ)، يقول جابر «المشكلة انو نحن قلال»، وعلى ما يبدو فإنّ هذه واحدة من الأفكار التي يريد المسلسل إيصالها، القضاء على إرهاب الدولة وظلمها واستبدادها، وعدم السماح بتشكيل ارهاب وظلم واستبداد جديد باسم الثورة.

من أبرز ماغاب عن العمل (لا يمكن اعتبار ذلك نقدًا، بإعتبار أن الكاتب سحب هذه الورقة منا بقوله أن العمل ليس توثيقًا):
– المجازر الدمويّة بحق المدنيين.
– الانشقاقات العسكريّة.
– استخدام أسلحة غير تقليديّة

كان متوقعًا ترك نهاية المسلسل مفتوحة لكل الاحتمالات، فهذا هو الواقع أصلًا.

قناة أبو ظبي حذفت مشاهد عدّة أثناء عرضها للمسلسل، بس دعايتها كانت جميلة.