/ المجتمع والواقع

"تفضل أهلا وسهلا"... كلمة وبتنقال!!

أريد أن أتحدّث اليوم عن نفسي قليلًا، بالتحديد عن تعاملي مع الآخرين.
وهذا موضوعٌ أرغب أن يقرأوه أصدقائي كي لا تكون مواقفي غير مفهومة (أمّا الإقناع فهو خارج قدرتي).

لستُ إجتماعيًا عمومًا، وهذا أمرٌ ربّما ذكرته هنا سابقًا، لكن ما لم أذكره بأنّه لديّ مشاكل في الأسلوب الذي ندير به صلاتنا الإجتماعيّة، بإختصار فأنا لا أحبّ المجاملات التي يقتاتُ عليها النّاس، والتي تصحّ تسميتها بالنفاق الإجتماعيّ.
كثيرًا ما يلتقي شخصان صدفةً في الشارع، هنا أو هناك، فيتعاتبان على هذا الفراق الطويل “وين ما عم نشوفك”، ويتبادلان الأيمان المغلّظة بالعزائم على الغداء، ثم يودّع كلّ واحدٍ منهما الآخر، وليس في باله شيءٌ من ذكرى صاحبه، لكنه التقليد!
ترى أحد الأصدقاء مثلًا قرب منزلك، فتشعر بواجب ضيافته، وأن تحلف عليه أن يصعد معك، لشرب فنجانٍ من القهوة، بينما تكون حقيقةً منهكًا وغير راغب بأيّ زيارة على الإطلاق، تقول له “تفضل، خلينا نكسبك” وأنت تخشى من أن يقع ذلك!
لنفكّر معًا لم نقول ما لا نريد أحيانًا! لم تحلف على شخص أن يأتي لزيارتك وأنت لا ترغب بذلك (بغض النظر عن السبب).
إنها البرمجة الإجتماعيّة ببساطة، لقد كبرنا ونحن نرى آبائنا يفعلون ذلك، ونحن اليوم على آثارهم مهتدون!

يقول الأستاذ الطنطاوي رحمه الله “العرب في الجاهلية كان يعيش أكثرهم في الصحراء، فإذا نزل رجلٌ بقبيلة من القبائل لم يجد فندقًا ولا مطعمًا ولا خانًا، بل إنه لم يجد سوقًا يباع فيه الخبز والفول المدّمس، فإذا لم يفتح له أحدٌ بيته أو خيمته، ولم يدعه إلى طعامه مات من الجوع؛ لذلك كان لحقّ الضيافة شأنٌ عظيم عند العرب.
تكونُ مشغولًا بأمر مهمٍ، بعمل من أعمل الوظيفة أو كتابة مقال، أو إعداد درس، أو تكون مع أهلك، أو تكون في حالةٍ نفسيّة غير مستعدٍ فيها للقاء النٍاس فيُطرق الباب، فتفتح فإذا أنت أمامك ضيف؟!” [من كتاب فصول إجتماعيّة]

يقول تعالى {يا أيّها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها … وإن قيل لكم إرجعوا فارجعوا هو أزكى لكم}
لن أتحدّث عن إنزعاج البعض المحتّم في حال قلت له أن يرجع (طبعًا مرض الفضوليّة والبحث عن أسباب قرارك، لتفنيدها وتعريتك، داء آخر، الناس لا تكتفي برغبتك، بل يجب أن تكون مقنعة بالنسبة لهم!)
بل أتحدّث عندما يصمت أحدهم كي لا ينافق الآخر، ولا يزعج نفسه بزيارة لا تناسبه (لسببٍ ما)، فيعاتبه هذا الآخر “يا رجل قلنا اتفضّل.. حتى لو ما فاضي! كلمة وبتنقال!”

يقول الصديق أحيجوج في مقال له بعنوان “دعني أخدعك، دعك تنخدع” : ‘النموذج الآخر الأبرز هو العزائم. يصادف أن يلتقي أحد بجانب بيته شخصا يعرفه، فيأخذه من تلابيبه ويحلف له بكل الأيمان أن يقبل دعوته للغذاء في بيته. هو حتما لا يقصد ذلك ولا يريد ذلك، والآخر يعرف ذلك أيضا. فتمضي ربع ساعة على الأقل في الشد والجذب، ثم يذهب كل منهما إلى حال سبيله سعيدا بما فعل. الأول قام بواجبه بدعوة صديق إلى بيته، والثاني قام بواجبه برفض إحراج صديقه وقبول دعوة ليس مستعدا لها!.’

هل هذا مرتبط بعدم الكرم وعدم المحبّة وعدم الرغبة في لقاء الآخرين؟
تختلف الأسباب بإختلاف الناس وإختلاف المواقف، لكن ليس هذا هو المقصود عمومًا، فالإنشغال بأمرٍ ما والحالة النفسيّة غير المناسبة للقيا الآخرين هي أسباب وجهية جدًا.

أتمنى أن يصار فهمي بشكل صحيح، لكن بإعتبار أنّ ما ذكرته يخالف ‘البرمجة الإجتماعيّة’ فهذا يعني أنّه سيواجه بشيءٍ من العطالة، نسعد جميعًا باللقاءات الجميلة مع الأصدقاء الرائعين، لكن لنحاول أن نكون متفهمين أكثر لرغبة الآخرين أيًّا كانت.

الآخرون ربما يعتبرون ذلك إقلالًا لقيمتهم، وهربًا منهم (فهم الموقف بشكل شخصيّ) والله يقول: هو أزكى لكم!

إلى صديقيّ الذي أحبّ حقًا، والذي قد يأتيني بظرفٍ غير مناسب 🙂