/ الفتنة زمن عثمان

ثورة على الطغيان 1

في تاريخ الأمم والشعوب لحظات كثيرة،تحمل كلًّا منها متغيرات نفسية وثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة، منها ما يستمر، ويترسّخ في الوجدان العام، والعقل الجمعي، ليرسم ويحدّد شخصيّة الفرد في المجتمع .. ومنها ما يذوب ويتلاشى أثره وكأنه لم يكن.

ولسنا الآن في صدد تعداد ودراسة العوامل التي ترجّح لحظةً في التاريخ على أخرى، فيكون لها الغلبة والنفوذ.
إذ إنني سأتناول في هذه السلسلة من التدوينات إحدى أدق اللحظات التاريخيّة التي مررنا بها، لم تكن لحظة عاديّة بل كانت لحظة دخولنا في نفقٍ مظلم .. ربما هو أشبه بدينٍ آخر!!

[سياقنا التاريخي]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.
صحّحه الألباني.
لقد كنّا في خلافة على منهاج النبوة، ثم دخلنا في نفق مظلم : ملك عضوض، ثم حكم جبري .. وحديثنا عن تلك ‘اللحظة’ .. نريد أن نفهمها، أن نفهم كيف دخلنا فيها، حتى يمكننا أن نخرج منها .. نبصر دخولنا .. لنستبصر خروجنا ..
بعد الخلافة الراشدة، أتى الملك الأموي، ثم العباسي، وختم بالعثماني ..
ودخلنا بعدها في دوامة الحكم الجبري .. ونحاول اليوم أن نخرج ..
لحظة الدخول إذًا .. هي لحظة استلام معاوية للحكم .. ربما لم يكن ‘استلامًا’ بقدر ماهو ‘تسلّط’ .. وهذا ما سنبحث عنه.

[قبل أن ندخل]
1 – هذا البحث ليس من باب ‘الترف الفكري’، إن فهم كيف بدأ الخطأ وكيف ترسّخ هو أمرٌ لابدّ منه لفهم كيف نخرج من تلك الزجاجة .. ومن ذلك الصندوق، يتناول هذا البحث أحداثًا تسمى ‘بالفتنة’ و ‘الأزمة’ في تاريخ المسلمين، لكن بطريقة لم نقرأها من قبل .. إنها طريقة تفكير تختلف عن كل مانعرفه ..

2- نريد أن نبحث عن الحقيقة ونعرضها لنفهم تاريخنا وحاضرنا، ونقدر على بناء مستقبلنا .. إن الروح العلميّة في البحث تفرض علينا ألّا نفكّر بمنطق أن تياراتٍ أخرى مناوءة ستستفيد من هذه الحقائق .. هذا ليس أسلوبًا علميًا .

3- دعونا نبتعد في طريقة تفكيرنا عن مبدأ ‘المؤامرة’، بالطبع هناك دومًا مؤامرات، لكن لايمكن لنا أن نفسر الأحداث الكبيرة في تاريخنا وحاضرنا على أنها مؤامرات، هذا تبسيط لأشد الأشياء تعقيدًا ..
مع ذلك، حتى يريح العقل نفسه من البحث عن أسباب الأزمات ومعالجتها فإنه يلجئ لأسلوب ‘المؤامرة’ في تفسير الحركات الاجتماعية والانتفاضات والثورات وسقوط الدول ..

4- فمشركي مكة كانوا يقولون بأن هناك ‘رجل أعجمي’ يعلّم الرسول ويحركّه .. أي بمنطق عصرنا : مؤامرة خارجية، والقرآن رد على ذلك : لسانُ الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسانٌ عربيّ مبين.

5- علينا أن نرفض تفسير الأزمة زمن سيدنا عثمان ومن ثم عليّ على أنها ‘مؤامرة خارجيّة’ وضعها شخص أسطوري مجهول اسمه ‘ابن سبأ’ ..
يستحيل أن يأتي شخص مجهول الهويّة اختلف بعض المؤرخين حتى باسمه واسم أبيه وامه ومكان مولده!! ولا نعلم عنه إلا أنه يهودي دخل الإسلام وكاد له، حرّك آلاف الناس وبعضًا من كبار الصحابة ضد عثمان، ثم ضد علي .. ظهر في الحجاز وفي البصرة والكوفة والشام ومصر!!!
هذه ليست طريقة في فهم التاريخ والواقع ومعرفة الأسباب وتحليلها بطريقة علمية
لا أريد أن أدخل في جدال طويل بين من أثبت وجوده ومن نفاه .. لأن المشكلة ليست في الإثباتات التاريخية (الضعيفة أصلا) المشكلة في العقلية التي تهرب من البحث عن الأسباب وتلجئ للتواكل عن طريق الاستناد نظرية ‘المؤامرة’ ..
لذلك لن تجد ذكرًا لإبن سبأ في هذه السلسلة.

6- علينا أن نفهم أن البشر هم البشر، في كل العصور وفي كل الحركات الاجتماعية، مايحركنا هو ذاته مايحرك بقية البشر ..
ومن جملة مانقوله .. كما أننا مسلمون منذ سنوات طويلة، لكن التخلف يهيمن علينا، ولايمكن لشيء أن يغيرنا بلحظة ما وبشكل سحري .. فما بالك بالمشركون لحظة دخولهم الإسلام يوم فتح مكة ..
لا يمكن لمن حارب الرسول في عشرين عامًا أن ينقلب بين ليلة وضحاها ليصير انسانًا مختلفًا جذريًا (رغم أن تعريف الصحابة السائد حاليًا يكرّس هذا الأمر ).. فإذا اعتبرنا أن السلم الإسلامي يبدأ بمرتبة أهل البيت .. المهاجرين الأوائل والأنصار .. البدريين وأصحاب البيعة .. بعد كل هؤلاء تأتي مرتبة الطلقاء ..
لايمكن أن ننكر الفوارق بين هذه المراتب .. لايجب أن ندمجها كلها بقولنا ‘صحابة’ ..
لقد عمل صلى الله عليه وسلم على دمج قريش المسلمة حديثًا في بنية وعقيدة المجتمع المسلم، لكنه توفي عليه الصلاة والسلام قبل أن يخطو بذلك خطواتٍ واسعة، وشغل أبو بكر الصديق بالردة .. وكان الوقت قد فات ليستدركه الفاروق ..

7 – لقد فرض سيدنا عمر رقابة صارمة على الملأ القريشي، وكان المجتمع يترصد الأخطاء لهؤلاء ولغيرهم، لذلك كانوا يتحركون وظيفيًا ضمن هذه الرقابة، لقد كان سيدنا عمر شديد النزاهة متقشفًا، وفرض على الكثير من شخصيات بني أميّة البقاء في المدينة تحرزًا من أي خطر ..
لكن الفاروق اغتيل، وكان الناس أقرب إلى عثمان منهم إلى علي كمرشحين لمنصب الخلافة، حيث تركت صرامة عمر وزهده الشديد رغبة عند الناس بالتمتع بما يفد إليهم من غنائم الأمصار .. لقد كان علي يشبه عمر في زهده وصرامته وفهمه للدين، وهذا مادفع الناس لإختيار عثمان الذي كان دمث الأخلاق، شديد الحياء، حسن السمية وصاحب أيادٍ على الكثير من المسلمين .. وقد تكون هذه الصفات جيدة لمؤمن مثالي .. أما الخليفة فربما كان يحتاج إلى صفات من نوعٍ آخر، صفات قياديّة بالتحديد ..

8- وبدأت جذور الأزمة تتبلور ..
فمجلس الشورى الذي أوصى به عمر لم يتحوّل إلى مؤسسة تساعد عثمان في إدارة البلاد المتسعة بإستمرار، لقد أدى هذا المجلس مهمة واحدة فحسب.
وتمكّنت القرابة الأمويّة من استغلال صفات عثمان الإيجابية لمصلحتها، لم يكن سهلًا لقريش أن تتنازل عن قيادة العرب .. وقد استطاعت فيما بعد الوصول إلى الحكم من جديد.
أيضًا بدأت طبقة الأغنياء بالعودة مجددًا للظهور، لقد ساهمت الفتوحات والغنائم في تشكيل طبقة جديدة من الأثرياء، وكلما تبلورت الطبقة المخملية أكثر، كان يعني بأن الطبقة الفقيرة تكبر وتزداد فقرًا ..
لقد مرّ سيدنا عمر على إمرأة تغلي الحجارة بالماء لتسكت جوع أطفالها، ومر على أخرى تحدّث ابنتها في ان تغش الحليب بالماء ..
وفي مقابل هذه الطبقة الفقيرة المحتاجة، كانت غنائم كسرى تصل إليه رضي الله عنه، مما جعله يبكي .. لقد شعر سيدنا عمر بأن الطبقية ستعود تدريجيًا لتجزأ المجتمع .. مما دفعه بالبكاء .. لم تكن غلطة أحد، ليست غلطة عمر ولا عثمان .. إنها الدورة الحضاريّة التي ستمر بها أي تجربة حضاريّة لا محالة، لكن الذي حصل معنا، أن رواسب لحظة التدهور بقيت متغيراتها النفسية والثقافية والفكرية في وجداننا وتفكيرنا إلى اليوم ..
لقد حارب عليه الصلاة والسلام الربا، بوصفه شكلًا بشعًا من أشكال الإستغلال، لكن المسلمين بعد ذلك لم يدركوا أن المعنى بالحرب هو الاستغلال، وليس الربا ذاته، فعادت أشكال كثيرة من أشكال الإستغلال .. ساهمت بتعقيد الوضع، يزداد الأغنياء غنىً والفقراءة فقرًا ..
كل شيء كان يدل على أنّ الانتفاضة الاجتماعيّة قادمة، لقد وجد جيلًا مهمًا من الصحابة نفسه مركونًا إلى الرف بلا مهمة أو وظيفة مقابل استغلال بعض القرابة الامويّة لعثمان ..
وكان الضغط يزداد ..
ولا بدّ من لحظة الإنفجار

9 – سأعتمد في نقلي وتلخيصي على الكتب التالية :
البداية والنهاية لإبن كثير. نسخة دار إحياء التراث العربي.
البوصلة القرآنية لأحمد العمري. دار الفكر
وعاظ السلاطين لعلي الوردي. دار كوفان