/ الفتنة زمن عثمان

ثورة على الطغيان 3

قبل أن أبدأ، أحب أن أنبّه إلى أن النسخة التي بين يدي من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق دار إحياء التراث العربي، تعرض على الهامش الاختلافات بين رواية ابن كثير وبقية كتب المؤرخين مثل الطبري والكامل ومروج الذهب، وهذا يعني أنه يمكنني الإطلاع على مختلف الروايات والنقولات من ذات الكتاب .. تركنا الثوّار في المرة الماضية عازمين على العودة إلى أمصارهم، لكن حصل ماهو خلاف ذلك .. لقد عاد ‘الخوارج’ مرّة أخرى إلى المدينة، فما الذي جرى؟ هذا هو سيدنا علي يسألهم : “ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا: وجدنا مع بريد [أي ساعي بريد] كتابا بقتلنا.وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا. وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جمله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة عليّ بذلك وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشئ من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. “

حسنًا دعونا نفهم قليلًا، الثوار كانوا عائدين إلى أمصارهم .. وهم في الطريق وجدوا غلام عثمان، راكبا على جمله .. فارتابوا بأمره ..
غريب هذا الساعي، يحمل كتابًا سريًّا من ‘عثمان’، لكنه يمشي بين الثوار، يقترب منهم، ويبتعد، حتى يثير شكوكهم ..
يفتشونه .. ويا للعجب، يجدون رسالة ‘سرية’ من عثمان تأمر والي مصر بتصفية قادة الثورة وعلى رأسهم محمد بن أبي بكر.
كيف يمشي هذا البريد بين الثوار وهو يحمل معه رسالة بتصفية قادة الثورة، وكأنه يرغب بأن ينكشف أمره!
يقول ابن كثير “وذكر ابن جرير  أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم”
أيضًا! .. كتبٌ مزورة على لسان الصحابة تدعو الثوار إلى العودة لقتل عثمان!!
من يفعل ذلك ؟ لعله ابن سبأ اللعين ؟ ولمصلحة من ؟

حسنًا .. عثمان وعدهم بالإصلاح والتغيير، لكنهم يكتشفون الآن رسالة بخط عثمان وختمه إلى واليه على مصر : قم بوأد الثورة وقادتها!
والكتاب مزوّر ومفترى لاشك، ومثله لا يخرج من سيدنا عثمان رضي الله عنه ..
لكن الثوّار .. جنّ جنونهم ..
عادوا إذن .. وعودتهم لا تشي بالخير هذه المرّة ..
ووقع حصار سيدنا عثمان، حاصر الثوار منزله رضي الله عنه قرابة الأربعين يومًا ..
تأزّم الموقف .. ولم يكن بالإمكان إصلاحه بسهولة ..
ماذا يريد الثوّار هذه المرة؟ سألهم عثمان وهو محاصر : “يا أشتر ماذا يريدون ؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الامرة، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الامصار ويولي عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه”
التنحي أو الإصلاح (بالإقتصاص وعزل نواب الأمصار وتسليم مروان للثوار) أو القتل !يلا
لكن ماذا فعل مروان حتى يطالب به الثوار ؟ زوّر شيئًا مثلًا ؟

لنقرأ “وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم) * [ المائدة: 33 ] وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من جملة المفسدين في الارض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين ، على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله”

دعونا نسجل :
– ابن كثير يرى بأن مروان بن الحكم هو الكاذب المفتري على لسان سيدنا عثمان، استعمل خطه وختمه وغلامه وجمله !! والأهم أنه تأوّل آية في القرآن (سجّلوا ذلك بخطٍ عريض) في سبيل ذلك.
– مع ذلك يستخدم ابن كثير لهجة مخفّفة تجاه مروان، فيقول عنه ‘لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ويزور على خطه وخاتمه ويبعث غلامه على بعيره’
لم يكن له سامحه الله وغفر له .. لِمَ فعل ذلك !!
– الأسوأ، أن أحدًا لم يسأل نفسه ، لم فعل مروان ذلك! وما مصلحته ومن دفعه لذلك ..

مروان كان يثني عثمان عن تطبيق الإصلاحات أو حتى الإعلان عنها على المنبر، ويشتم الخوارج ويطردهم .. ثم إن نائلة زوجة عثمان وعلي حذّرا سيدنا عثمان من الاستماع إلى رأي مروان ‘الذي لاقدر له عند الله ولا محبة’ .. ثم إن مروان يزوّر كتابا على لسان عثمان يأمر بقتل الثوار في أمصارهم، ويستخدم خطه وختمه وغلامه وجمله، ويتفق معه ليسير بين الثوار حتى ينكشف أمره .. ويزوّر كتبًا على ألسنة الصحابة لتأزيم الموقف أكثر
هل يصعب إذًا ألا يرسل مروان ببعض ‘المندسين’ إلى صفوف الثوار .. وهل صدق حدس نائلة عندما حذرت عثمان من أن مروان سيقتله!!
لا أدري .. لكن الذي أعلمه.. بأنه نائلة وعلي أقلعا عن نصح عثمان في الأيام الأخيرة من الأزمة كما رأينا في المرة السابقة ..

مروان انفرد هنا بسيدنا عثمان، وهاهم الثوار يصعّدون ويمنعون عنه الطعام والشراب طالبين منه التنحي .. فيجيبهم جوابًا .. سجّله التاريخ : “أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع قميصًا قمصنيه الله” ويستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له “إن الله لعله يقمصك قميصًا، فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات”
قميص ! وتأويل لحديث رسول الله !
يستحضرني هنا قول أبي بكر “وليتكم ولست بخيركم” وقول عمر “قوموني بحد السيف” وأقارنهما مع قول مروان .. عفوا أقصد عثمان “ماكنت لأخلع قميصًا قمصنيه الله” !!
من أوحى بذلك إلى عثمان ؟ من أوّل له حديث رسول الله بأن القميص هو الخلافة ؟ من متى أصبحت الخلافة قميصًا لا يخلع (بل ويورث)!

بينما نحاول الإجابة على كل تلك الأسئلة يُقتحم منزل عثمان، ويقتل .. تتعدد الروايات حول هويّة القاتل وتختلف !! ربما واحدًا من الثوار ممن تعجل وطاش به عقله ؟! ربما مندس إستأجره أحدهم ؟ .. أحدهم؟!

دعونا نسجل ذلك كله .. وسنتابع لاحقًا إن شاء الله ..