/ فقه الثورة

ثورة على الطغيان 5

نتحدث هنا اذا عن دور بني امية في اخراجنا من الخلافة على منهاج النبوة الى ملك عضوض وحكم جبري، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح “هلكة أمتي على يد غلمة من قريش” ..
وخلافا للتفسير التقليدي ‘للفتنة’ في تاريخ المسلمين بنسبها الى الكائد اليهودي ابن سبأ، فإننا نتلمس هنا الاسباب الداخلية التي ادت الى هذه الاحداث، فضعف عثمان وحبه لأقاربه ولد اخطاء عديدة ومطالب شتى، ثم ان هذه المطالب لم يتم التعامل معها كما يجب، بل قوبلت بالبطش واراقة الدماء.
ورأينا في الاجزاء الاربعة الماضية دور مروان بن الحكم، ابتداء بتقليب رأي سيدنا عثمان على الثوار، والطريقة التي عاملهم بها، وكيف زور الكتاب على لسان عثمان، وماذا كان راي علي ونائلة زوجة عثمان بمروان.

وانتيهنا في المرة الماضية الى عرض موقعتي الجمل وصفين والتفريق بينهما ..
الان سيتضح لنا ان ماقام به مروان على امتداد الحلقات السابقة لم يكن مجرد ميول شخصي، وانما سنرى كيف يتكامل دوره مع معاوية لترسيخ حكم اموي مستبد (مستبد بالمقارنة مع ماكان قبله وليس مع مااتى بعده!) ومعتمدي هذه المرة على كتاب البوصلة القرآنية للدكتور العمري، فمنه اخذت النصوص واختصرت التحليل.

في نهاية التدوينة الماضية ذكرت حديث البخاري الذي يخطب فيه معاوية قائلا “مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ” وان ابن عمر همّ ليقول “نحن احق منك ومن ابيك” لكنه خشي “سفك الدماء” كما بنص الحديث!
لكن ما هو هذا ‘الحق’ الذي يدعيه معاوية لنفسه؟؟

الوثيقة الثانية / البخاري:
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
وفي البخاري ايضا : وكان معاوية يأمر الناس بذلك.
يبدو الخبر للوهلة الاولى عاديا، لكن ليس عند التحقيق :
– فلعل هذا الطلب يمكن ان يجاب اكثر من قبل صحابة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورافقوه وتابعوا كل تفاصيله، وكبارهم كان لايزال على قيد الحياة طيلة فترة حكم معاوية (ابو هريرة مثلا في الشام، او ابن عمر وابن عباس في المدينة).
– الكوفة كانت معقل المعارضة الدائمة الملتهبة ضد السلطة الاموية.
– لمَ يأمر معاوية بتعيمم صيغة معينة من الدعاء عقب الصلاة؟ هل ممكن ان تتحول هذه الصيغة في الدعاء الى امر رسمي الا اذا كانت تحتوي على مغزى معين يريد الخليفة تكريسه.
– ولو تتبعنا الحديث لوجدنا ان معاوية كان يخطب دوما على المنبر بهذه الصيغة واحيانا بصيغة امر مشدّد “لتعلمن ايها الناس انه لامانع لما اعطى الله” (المعجم الكبير).
– هذا الامر يوحي بان هذا الحديث خضع لتوظيف من قبل السلطة الاموية بشكل واضح من اجل، عطية محددة، انها السلطة تحاول التذكير دوما انها نالت عطائها من الله وانه لامانع لما اعطى الله .. انها عطية الهية اذا ومنع الهي للفئة المناوئة .. اهذا هو الحق الذي ادعاه معاوية لنفسه سابقا؟

الوثيقة الثالثة / البخاري :
“عن عمير عن معاوية سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ عُمَيْرٌ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ قَالَ مُعَاذٌ وَهُمْ بِالشَّأْمِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ وَهُمْ بِالشَّأْمِ.”
– بالطبع نحن لانكذب احدا بافتراءه على رسول الله ما لم يقله، لكنه مجددا توظيف الحديث في سياق معين، يخدم السلطة الاموية في تكريس سلطتها (رغم ان الحقائق التاريخية اللاحقة تكذب مثل هذا التوظيف).
-انها السلطة المنصورة اذا التي لايضرها من خذلها الى يوم القيامة .. تاكيد حرصت السلطة الاموية على ترسيخه (وايصاله عبر احاديث كثيرة ومناسبات مختلفة) لتتشبع الناس بروح الاستسلام والهزيمة، امام قضاء الله المنتصر دوما، رغم ان الحديث لايقول ببساطة سوى عن وجود فئة من المسلمين ستظل متمسكة بالدين الى يوم القيامة.
– هو اذا الجبر امام قضاء الله وقدره، والحق الالهي الذي تسلمه معاوية وجعله احق من غيره بامر الخلافة .. انها العطية الالهية التي لامانع لها، الطائفة المنصورة التي لايضرها من خذلها .. مفردات وصياغات كثيرة كلها تهدف الى ان تجلس متفرجا .. تحيّدك، وتشتري معارضتك .. فهل لاحد ان يعارض قضاء الله؟!!

الوثيقة الرابعة / البخاري :
“كان مَرْوان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة، رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال (4) مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي } فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذرِي”
– جميلة هي هذه الاجواء التي يتم بها الترويج لبيعة يزيد .. واضح انها مليئة بروح الشورى والحرية فلما قال عبد الرحمن بن ابي بكر شيئا قال مروان : خذوه!
– وفي رواية اخرى ان عبد الرحمن قال : بل سنة هرقل وقيصر.
– وهاهو مروان يستعير نصا قرآنيا لتوظيفه في سياق تشهيره بشخصية معارضة … تعودنا من مروان على ذلك ( ألم اقل لكم بان بنو أمية أفسدوا الدين، وفتحوا باب الملكية وشرعوا للبطش والاستبداد والقتل باسم الملك)

وثيقة اخرى / سنن البيهقي الكبرى :
“عن نافع ان ابن عمر كتب مرة الى معاوية فأراد ان يبدا بنفسه فلم يزالوا به حتى كتب : الى معاوية من عبد الله بن عمر”
– هل وصلت الامور الى هذا الحد حقا؟! ان يخاف الناس من الكتابة الى معاوية الا بعد ان يبدؤوا باسمه هو لا بأسمائهم ؟ هل هو الخوف من الاستبداد وغضب الخليفة وسياسة ‘خذوه’ المشهورة!

دعونا نراجع المعطيات مجددا، ماذا افرزت الفترة الاموية المبكرة؟
أولا ) الجبر، او استخدام سلاح القضاء والقدر لتثبيت سلطة الدولة، وشرعيتها وقد ارتكزت هذه الشرعية على انتصار معاوية على علي (تطور النصر لاحقا ليؤمر معاوية بشتم عليا على المنابر كما هو ثابت). هذا الحدث التاريخي فسر من قبل السلطة الاموية على انه حصل بارادة الله وقضائه بمعنى محبته ومشيئته، فقد رغب الله ان يظهر معاوية وانتهى الامر، وتم هذا عبر آليتين :
– تكريس مفهوم الاستسلام للحوادث باعتبارها من وضع الله.
– الغاء الاسباب الطبيعة لانتصار علي واجاع الامر الى الله مباشرة (تعطيل الاسباب)
ثانيا ) الاستبداد، بقتل فكرة الشورى، واتباع القمع في اسكات المعارضة وأسئلتها.
ثالثا ) توظيف النصوص الدينية باجتزائها من سياقها لخدمة السلطة الاموية (ظاهرة استغلال الدين لاجل السياسة)

لقد خرج معاوية على الجماعة ونازع الامر أهله، والأهم من ذلك أنه أرسى نظام الملك بديلًا عن دولة الخلافة، وشرّع لذلك، وتأوّل لها النصوص، وسفك لأجلها الدماء، وفتح لها أبوابًا من الشر والمظالم لم تتوقف، وأخرج السلطة من إطار مبادئ الشرع : الشورى والبيعة والعدل .. إلى منطق القوّة والإستبداد والملك والبطش مما لانزال نعاني منه إلى اليوم