/ فقه الثورة

ثورة على الطغيان 6

ما هي مشكلتنا مع الاستبداد ؟ أو لماذا يأخذ هذا الموضوع أولوية مطلقة في محاربته ؟
لو توقّف أثر الاستبداد على تعطيل الحياة السياسية ومنع التداول السلمي على السلطة، لهان الخطب، ولما حاز موضوع الاستبداد على هذه الأولوية في النقاش والعمل، لكن المشكلة مع الاسبتداد أنه يعيد صياغة الإنسان وتشكيل فكره وثقافته وسلوكه، بحيث لا يشكل أي عنصر منها خطرًا على استقرار السلطلة المستبدة، مما يعيق الحياة في كل جوانبها، ويمنع الحضارة بأصغر أشكالها، ويقتل الفكر والثقافة بأبسط صورها .. وهذه هي مشكلتنا مع الاسبتداد.

وبعد تبيان تسلط بني أمية على الخلافة الإسلامية، وكيف أنهم تأوّلوا النصوص لذلك وسفكوا الدماء لها، وفتحوا بابا من المظالم والشرور مما لا نزال نعاينه إلى اليوم، صار سهلا علينا أن نجيب عن السؤال الذي أرقنا كثيرا :** لماذا لم ينهض العرب رغم كل المحاولات المخلصة لتحقيق ذلك ؟**
ببساطة لأن الشخصية العربية المسلمة تعرّضت بشكل بطيء تدريحي إلى تشويه كبير في المفاهيم والقيم والفكر والثقافة بتحريك من السلطة المستبدة الحاكمة بهدف ضمان استقرار نفوذها.
لكن مهلا، هل أدعي بأنه منذ استلام معاوية للحكم تعرضت الشخصية المسلمة الى تشويه مما أعاقها عن القيام بدورها الحضاري المنشود ؟ وفيما نفسّر إذًا هذه النهضة العلمية والثقافية والحضارية اﻹسلامية التي سادت لقرون طويلة ؟
– لم يكن من السهل أن يتم تشويه عناصر الشخصية المسلمة التي غرسها القرآن وجهود هائلة من معلمنا صلى الله عليه وسلم في بضع سنين، كما لم تكن السلطة الأموية الأولى تملك جرأة كافية على محاربة عناصر هذه الشخصية بشكل صريح وعلني، لذلك فإن هذا كان يتطلب الكثير من الوقت قبل أن تظهر مضاعفاته بشكل كامل.
– ثم ان القول بأن الحضارة الاسلامية بقيت مستمرة ستة قرون حتى سقوط الخلافة العباسية، هو شيء مخالف لواقع الامور حقيقة مهما كان قبول ذلك صعبا ومربكا بالنسبة لنا.
فالمجتمع الإسلامي تعرض لتشوهات مبكرة جدا
– كما لم يكن جميع الملوك والأمراء على درجة واحدة من التمسك بالإرث الجاهلي المتسم بحب الجاه والسلطة والاستئثار بها وتفضيل المظاهر الخطابية والشعرية على الفقه والعلم، مما كان يؤخر التشويه الكامل الذي وصلنا له لاحقًا.
– يضاف إلى ذلك بأن تلك السلطات كانت تستمد شرعيتها من الدين، مما جعلها في موقف حرج أحيانا من مخالفة النصوص الدينية الصريحة (مما دفعها للبحث عن تأويلات أخرى لهذه النصوص)، أو الكيد لعلماء الدين المتمتعين بشعبية واسعة  (لاحقا اختفى هذه الامر).
– يجب علينا الانتباه أيضًا الى ان الانجازات الثقافية والحضارية والفكرية التي تشتهر بها حضارتنا الاسلامية هي ‘انجازات فردية’ وليست نتاج عمل ‘مؤسساتي’، بمعنى أنه بسبب الفترة الزمنية الطويلة التي تتطلبها الامر لقتل فاعلية الفرد المسلم نهائيا، كان المجتمع لا يزال ينجب أفرادًا استطاعوا ان يحققوا هذه الانجازات الحضارية والفكرية والثقافية، بعيدًا عن قصور السلاطين ودون أي مساعدة رسمية من السلطة، في ظل غياب شبه كامل ﻷي انجاز حضاري كان نتاجًا أنجبته مؤسسة أنشأها خليفة ما، بل حضارتنا كانت وليدة الوقف المجتمعي.
– بل وأكثر من ذلك، فإن هذه الشخصيات كثيرًا ما تعرضت لتنكيل السلطة ومحاربتها واضهادها، في إطار قتل الشخصية المسلمة، ألم يكن المأمون هو من أمر بعزل القضاة الذين لا يعتقدوا ما يعتقده في مسألة خلق القرآن، وأمر بقتل ابن حنبل لذات السبب!
ألم يكن المنصور هو من رمى ابن رشد بالكفر والضلال وقام بنفيه واحراق جميع مؤلفاته وحظر الاشتغال بالفسلفة والعلوم عدا الطب والفلك والحساب.
من سمم الفيلسوف ابن باجة ومن ضيق على ابن طفيل .. ومن ومن ومن ..
– سيقولون، لقد أنشأ الخلفاء المكتبات التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا حتى وقت قريب، وبنوا القباب الفلكية والكتاتيب ووو ..
لكن ما نفع هذه المكتبات ان كانت محجوبة عن عامة الشعب مقتصرة على خاصة الملك والمؤلفين، وما نفع ان يزن الملك الكتب ويعطي وزنها ذهبا ان كان يحارب الفكر الاخر فضلا عن ان يعترف به ..
أخلص الى القول، بأنني لا أنفي بالطبع الاسهامات الحضارية والفكرية والثقافية التي قدمتها حضارتنا ، فلم يكن من السهل كما أسلفت إلغاء ركائز الشخصية المسلمة في بضع سنين، كما ان من كان له الدور الاعمق في محاربة العقل القرآني الأصيل أتى متأخرًا من الناحية الزمنية، بالاضافة الى كون علمائنا ظواهر فردية وليست نتاجا مؤسساتيا رعته الدولة، بل لقد حارب السلطان كل فكر لا يروق له ..

اذا لقد تمكّن الاستبداد في نهاية الأمر من إعادة تكوين الإنسان العربي، وصياغة فكره وثقافته وسلوكه بشكل يحقق استقرار السلطة المستبدة، مما قتل كل جوانب الحياة الاخرى وأعاقنا عن تحقيق أي تغيير حقيقي.
لكن مهلا، ألا ترى بأن الربيع العربي قد غيّر هذه المعادلة مرة واحدة والى الابد ؟
نعم ولا، الربيع العربي كسر حاجز الخوف وبنى رصيدا كبيرًا من الوعي السياسي عند شريحة واسعة من العرب، وسيثمر على المدى القريب ظاهرة ولادة الاحزاب السياسية ونمو التيارات الفكرية ومن ثم التداول على السلطة وتحقيق حرية وديمقراطية وعدالة منشودة ..
ولكن للأسف، فإنه يتضح باستقراء التجارب بأن التغيير السياسي لا يصاحبه بالضرورة تغيير ثقافي واجتماعي مطلوب، مما يفقد عملية التغيير اثرها بعيد المدى، لذا فإن ما يجب أن نقوم به هو حراك ثقافي واسع، يعمل به الشباب الذي فجر حركة الربيع العربي على احداث تجديد ثقافي وفكري في بنية العقل العربي مما ينعكس على القيم والمعايير ونمط الحياة القائم.
ومن أهم أولويات هذا التجديد برأيي هو كشف أثر الاستبداد على العقل وطريقة تفكيره، وبالتالي على الثقافة وانتاجها، والفقه واصوله، والعقيدة وانحرافاها، والقيم وتشوهها، والسلوكيات اليومية في أدق الأمور.

وقد تحدثنا في التدوينة السابقة (رقم خمسة) عن ثلاثة معطيات افرزتها الحقبة الأموية لإحكام السيطرة على الشعب وهي : الجبر والاستبداد وتوظيف الدين لخدمة السياسة.

أظن بأنني سأتوقف هنا عن الاسترسال في سلسلة ثورة على الطغيان، والتي أحببت من خلالها ان اوصل فكرة** ان الطاغية سيسقط، لكن الطغيان وثقافته وفكره متجذر في هذه الأمة منذ عهد مبكر جدًا، ومحمي بفهم سلبي لنصوص دينية، مما يتطلب دأبا وعملا اضافيا لمحاربته ..**
والله ولي التوفيق