/ فقه الثورة

ثورة على الطغيان2

العام : 35 للهجرية
يقول ابن كثير* “وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص، مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه. ”
فقط خمس وثلاثون عامًا من هجرة محمد عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، والمسلمون : مقهورين لا يستطيعون التكلم بسوء على أحد ..
والمقصود بالخوارج في التاريخ الإسلامي هم المعارضة بمختلف أشكالها، والنص يقول أنهم كانوا مقهورين لا يستطيعون التكلم ..
يقول ابن كثير “وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزله جماعة من علية الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية … و[ أنه ]أعطى بني أمية أكثر من الناس ”
لا يبالي كثير من المؤرخين بكل هذا الوضع المتأزم : القهر وتكميم أفواه المعارضة، وعزل بعض من كبار الصحابة وتولية بني أمية، وخصهم في العطاء أكثر من بقية الناس .. انهم يتجاوزون كل هذه الأخطاء المرتكبة، ليقولوا بأن ابن سبأ حرّك الصحابة والناس وألبهم على عثمان، وكأن المجتمع كان سليمًا ومعافى لايعاني من اضطراب ..
في ذلك الجو المعبّأة .. نفر من مصر بين 600 إلى ألف من المسلمين، وعلى رأسهم محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة وغيرهم .. نفروا إلى المدينة بصفة معتمرين، فأرسل إليهم عثمان سيدنا علي ليناقشهم ويحاورهم ..
واختيار علي لهذه المهمة كان موفقًا جدًا، فأمام عثمان كان علي يدافع عن مطالب الثوار ويطلب منه أن يعود لسيرة الشيخين (كما سنرى لاحقًا) ثم كان يطلب من الثوار الهدوء والرويّة .. إنها الحكمة وقت الأزمة ..
يقال بأن الثوار حين سمعوا كلام عليّ ودفاعه عن مواقف عثمان، وكانوا يعرفون مواقف علي الداعمة لهم ولمطالبهم ،اطمئنوا لكلامه وقرروا أن يعودوا إلى ديارهم .. هذا موقف علي أمام الثوار، فماكان موقفه أمام عثمان، لنقرأ كلام ابن كثير :
“ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم [أي الثوّار] عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الاثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الامر أولا في مدة ست سنين الاول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة. “

لقد هدّأ علي الثوار، وأمدهم بالأمل والوعود، ثم كان لابد من معالجة أسباب الأزمة، فطلب من عثمان أن يخطب معتذرًا عن الأخطاء معلنًا التوبة والعودة إلى سيرة الشيخين وكان عثمان صادقًا بلاشك بما قال حيث بكى على المنبر وبكي معه الناس، ثم فتح بابه للناس دون حاجب … لكن للأسف ‘لمدّة’ وحسب!

فما اللذي حصل إذًا .. لنقرأ عند ابن كثير، ونطيل الإقتباس :
“فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، وجاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟ فقالت امرأة عثمان – نائلة بنت الفرافصة الكلبية – من وراء الحجاب: بل اصمت، فوالله إنهم لقاتلوه، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها.
فقال لها: وما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ.
فقالت له: دع ذكر الاباء، ونالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان.
وقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ فقال له عثمان: بل تكلم، فقال مروان: بأبي أنت وأمي، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع
منيع، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبا، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لاقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة خوف عليها، وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.

فقال عثمان: قم فاخرج إليهم فكلمهم، فإني أستحي أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ بإذن صاحبه ألا من أريد جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم ولا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا، قال فرجع الناس، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء علي مغضبا حتى دخل على عثمان.
فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ؟ ! وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيم الله إني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت سوقك، وغلبت على أمرك.
فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت ؟ فقال: تكلمي، فقالت: سمعت قول علي أنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان حيث شاء، قال: فما أصنع ؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروانليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة”

دعونا نسجّل مايلزمنا من هذا الموقف، حتى نرى ماذا حصل بالوعود بعد ذلك :
1- نائلة زوجة عثمان تطلب من مروان الصمت وعدم تغيير موقف الخليفة من تبني الإصلاحات اللازمة.
2- مروان يرى بأن موقف عثمان ناتج عن ضعفه أمام جبال الناس، وكأنه مرغم على ذلك ويقول ‘لو شئت لعزمتَ التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة’ .. كان يمكنك أن تصلح بدون أن تنسب لنا – بني أمية؟ – خطأنا !!
3- مروان يخرج للثوار قبل مغادرتهم لينهرهم قائلا ‘جئتم أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا .. فوالله مانحن مغلوبين على ما بأيدنا’ .. هل كان مروان يتحدّث عن ملكه ،ملك بني أمية!! وبأنه من القوة بالمكان بحيث لايمكن لأحد أن ينازعهم في ذلك!!
4- علي يعود غاضبًا إلى عثمان، يخبره بأن مروان يريد تحويل دين الخليفة وعقله! ويخبره بأنه لن ينصحه بعد هذا أبدًا ويرى بأن مروان سيورد عثمان ثم لايصدره.
5- نائلة تطلب من زوجها عثمان أن يصلح ويسمع كلام علي بإتباع سنة الشيخين فإنه ‘متى أطاع مروان : قتله’ !!! وأن مروان لا قدر له عند الله ولا محبة!

دعونا نسجل هذا كله، وسنعود له لاحقًا ..


*البداية والنهاية، نسخة دار إحياء التراث العربي، الصفحة 122 ومابعد.
الرابط على الشابكة