/ فقه الثورة

ثورة على الطغيان 4

عشرون يومًا مضت منذ أن نشرت الحلقة الثالثة من هذه السلسلة، لذلك يطيب لي أن أقوم بعملية إنعاش للذاكرة ببعض النقاط التي كنا قد تحدثنا بها ..

قلت بأننا كنا في خلافة على منهاج النبوّة، ثم دخلنا في نفقٍ مظلم من الملكية العاضّة والحكم الجبري، منذ لحظة تسلّط معاوية على خلافة المسلمين، ومارافقها من تطويع للدين ليلائم قواعد الملك الجديد، إننا نحاول أن نفهم كيف دخلنا في هذا النفق لنتمكّن من الخروج منه ..

إن اللجوء إلى تفسير سبب ‘الفتنة’ زمن عثمان بأسباب خارجية (كمؤامرة ابن سبأ وغيرها) والإعراض عن الأسباب الداخلية، هو مانعاني منه عند تناول هذا الملف، وقد حاولت تلمّس شيءٍ من هذه العوامل الداخلية فيما سبق، فعثمان “بنى على أمرٍ قد استقرّ قبله، بسكينةٍ وحلم وهدى ورحمة وكرم، ولم يكن له قوّة عمر ولا سياسته، ولا فيه كمال عدله وزهده، فطُمِع فيه بعض الطمع، وتوسّعوا في الدنيا، وأدخل من أقاربه في الولايات والأموال، ودخلت بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أُنكرتْ عليه. فتولّد من رغبة بعض النّاس في الدنيا، وضعف خوفهم من الله، ومنه، ومن ضعفه هو، ماحصل من أقاربه في الولاية والمال، ما أوجب الفتنة، حتى قُتِل مظلومًا شهيدًا” كما قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة 7/452

ثم كان لمروان – وبقيّة رموز بني أمية كما سنرى لاحقًا – دورًا تأزيميًا عن طريق التدبير لتمسك قريش وبنو أميّة بالحكم من جديد .. يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري : “هلكة أمتي على يد غلمة من قريش” .. لقد أفسد بنوا أمية الدين، وفتحوا باب الملكية وشرعوا للبطش والاستبداد والقتل باسم الملك ..

في نهاية الحلقة الأخيرة قتل عثمان رضي الله .. وآل الأمر إلى سيدنا عليّ.

سأقف عند حدثين هامّين حدثا بعد ذلك : موقعة الجمل، ومعركة صفين.

حرب الجمل كانت حرب فتنة، دون سعي للملك والحكم والثروة، لأسباب عدّة :
فقادة جيش الجمل شهد لهم صلى الله عليه وسلم بحسن الطويّة والتنزّه عن المصالح الدنيويّة، مايجعل حمل قتالهم على الطموح الشخصي مستبعدًا ..
قال صلى الله عليه وسلم عن طلحة “من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله”، وقوله فيه يوم أحد “أوجب طلحة”، وقوله في الزبير “لكل نبيّ حواريّ، وحواريّ الزبير” وقوله له “فداك أبي وأمي” وكلها أحاديث صحيحة ..
والمحفوظ الصحيح عن سيدنا علي أكثر من أن يجمع هنا، وأما عائشة رضي الله عنها فلا ثناء عليها بعد ثناء الله.

  • ثم انهم توفوا دون أن ينالوا شيئًا من الملك والإمارة، يمكن أن يكون مدخلًا لمتّهم أو مشكّك، وذكر عن سيدتنا عائشة أنه كان إذا ذكر خروجها يوم الجمل بكت حتى يبتلّ خمارها (ذكره الذهبي). وقالت في ذلك مرّة”وددت أني جلست كما جلس أصحابي” (برواية صحيحة في مجمع الزوائد).
    والروايات التاريخية الصحيحة في ندم علي وطلحة والزبير كثيرة ولمن شاء أن يرجع إلى كتاب “الخلافات السياسيّة بين الصحابة/محمد الشنقيطي” فقد استعنت به في تدوينتي هذه.
    **
    أما قادة جيش الشام في صفين فليست لهم مثل تلك السابقة والمكانة**، وقد جنوا ثمرة وقوفهم في وجه خلافة علي ملكًا امتدّ أعوامًا مديدة، بل دولًا ورّثوها أبنائهم وأحفادهم عقودًا عديدة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمار بن ياسر الذي قتله أهل الشام “تقتله الفئة الباغية” ..
    إن الأسباب الحقيقيّة لمعركة صفين هي مطامح الملك لدى معاوية وعمرو، وتجاوزهما حدود الشرع في الدماء والجنايات في الطريقة التي طالبا بها الأخذ بدم عثمان، ثم رفضهما ما ارتآه أبو موسى الأشعري من الصلح وتأمير عبد الله بن عمر وخلع كلٍ من علي ومعاوية.

ولنتوقف معًا بتأمل متأنٍ أمام هذه الوثيقة التاريخية من صحيح البخاري :
“عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَنَسْوَاتُهَا تَنْطُفُ [ضفائرها تنقط ماء] قُلْتُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ فَلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَقَالَتْ الْحَقْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قَالَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَهَلَّا أَجَبْتَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَتَسْفِكُ الدَّمَ وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجِنَانِ قَالَ حَبِيبٌ حُفِظْتَ وَعُصِمْتَ “

هذه القصة تكفي دلالةً على أن محل النزاع الجوهري بين معاوية وعلي لم يكن حول قتلة عثمان، بل حول الخلافة والإمساك بزمام أمر المسلمين، وأن معاوية كان يخشى من قطع الطريق على محاولته انتزاع الخلافة، أكثر من خشيته على هروب قتلة عثمان، ولذلك لم يحرّك ساكنًا حينما استقر له الملك، وقد سألته عائشة بنت عثمان عن الثأر من قتلة عثمان فأجابها :
“يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتحها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا ؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين أحب إلي أن تكوني أمة من إماء المسلمين، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك. ” البداية والنهاية / ج8

ولنقرأ هذه الوثيقة من كتاب سير أعلام النبلاء (ج2، ص396) التي قال عنها محقق الكتاب الشيخ شعيب الأرنؤوط سندها صحيح :
“عن أبي بردة ، عن أبي موسى : أن معاوية كتب إليه : أما بعد : فإن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد ، وأقسم بالله ، لئن بايعتني على الذي بايعني ، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة ، والآخر على البصرة ; ولا يغلق دونك باب ، ولا تقضى دونك حاجة . وقد كتبت إليك بخطي ، فاكتب إلي بخط يدك .
فكتب إليه : أما بعد : فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة ، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه ، ليس لي فيما عرضت من حاجة ، والسلام عليك . “

تكشف هذه المراسلة عن الفرق بين تصوّر أبي موسى الأشعري لموضوع الخلافة، الذي اعتبره ‘جسيم أمر هذه الأمّة’ يخاف ربه إذا سأله عنه، وبين تصوّر معاوية الذي لم يكن يرى بأسًا بالإستيلاء عليها بتوزيع العطايا والمناصب وإشهار السيوف والرماح.
ثم مامعنى وعد معاوية في رسالته لأبي موسى بتنصيب ولديه حاكمين للبصرة والكوفة – وكانتا تحت إمرة عليّ آنذاك – سوى أن معاوية وعمروا كانا ينازعان عليًا الخلافة ولا يرضيان بأقلّ منها ؟

**لنسجّل هنا أنه بعد سنوات قليلة من الحكم الراشدي، يخاف شخص بقامة ابن عمر أن يتكلم خشية البطش وإراقة الدماء! وأن معاوية يسعى لتوزيع المناصب والهبات حتى يوطدّ حكمه ..
**
كل ذلك .. نسجله .. وسنتابع قريبًا إن شاء الله