/ فقه الثورة

دردشة ثورية 6

في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنا نترقب ما قد يجري على ترابنا، بل ونتمنى ان يحدث ‘شيء ما’ يفجّر الأوضاع المتوترة والمحتقنة منذ سنوات.. وكانت قد انطلقت على ما أذكر صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد وحدّدت موعد الخامس عشر من آذار لانطلاق المظاهرات المطالبة بالحرية والديمقراطية ..
وكانت درعا .. وها هو الحول يكتمل، ونحن أقرب ما نكون إلى تحقيق هدفنا الأول بإسقاط نظام الأسد، لنبدأ تأسيس مرحلة سياسيّة جديدة قائمة على قيم الحرية والشورى والتعدديّة ..
وأرغب هنا أن أقف في بعض المحطات التي اشعر بان ثورتنا تعاني فيها من خلل، فالايجابيات كثيرة والبركة عامة ولله الحمد، لكن بعض الملاحظات للارتقاء بالعمل الثوري :

  • لم تعد تروقني الصورة الإعلامية التي تصنعها وسائل الإعلام عن ثورتنا، وهكذا غالبا سيكون الإعلام مسبب المشاكل لربيعنا العربي، فهو يسلّط الضوء على ما يريد ويغفل ما يريد، ويسمي الأشياء بأسماء يريدها .. وأود أن أضرب أمثلة عما أقصد :
    فما أكثر ما يخرج لنا الناطقين الإعلاميين من هذا التجمع أو ذاك، ليندبوا حظهم ويشكو قلة حيلتهم، ويمكنني أن أعتبر هادي العبد الله مثال لعشرات غيره :
    ‘أختي الكريمة تعيش مدينة حمص حالة إنسانية مأساوية وتتعرض لحصار منذ أشهر، وقد نفذ الماء والطعام في أحياء عدة من المدينة.
    أختي الكريمة استيقظت اليوم مدينة حمص على وقع مجازر رهيبة يقوم بها النظام الاسدي لإحكام سيطرته على عاصمة الثورة.
    ونحن نناشد دول العالم وضمائرهم للتحرك السريع لإنقاذ هذا الشعب الأعزل ووضع حد للمجازر الدموية المروعة ..
    أختي الكريمة نحن نقتل منذ احد عشر شهرا ونقصف بالصواريخ ونذبح بالسكاكين والعالم يتفرج علينا ويكتفي بالكلام’
    هذه المداخلة ليست حرفية وإنما هي مفردات و تعابير تتكرر في كل نشرة إخبارية تقريبا ..

وهكذا أخرجت الأمور كلها من سياقها الأصلي، وتحولت قصتنا من ثوار أبطال اتخذوا مسلك النضال السلمي ودعم الجيش الحر لنيل الحرية وتحقيق العدالة والديمقراطية إلى شعب اعزل لا حول له ولا قوة يتعرض يوميا لمجازر من قبل قوات الأمن والجيش .. وباتت ثورتنا ‘مأساة إنسانية’ تستحق الشفقة والبكاء في كل نشرة، ونسينا أننا بلغنا من القوة ما لم نبلغه طيلة عقود ماضية لما كنا نقضي أيامنا ضحكا ولهوا .. وأن النظام بلغ من الضعف ما لا يتصوره مرء ..
من يريد أن ينجح في ثورة لا يبكي وهو يناشد العالم في التدخل ولا يوفر مناسبة ولا منبر إعلامي ولا تسمية جمعة إلا ويناشد ‘ضمائر وأخلاق العالم’ للتدخل … هذه ثورة … وكل ثورة تأتي بمصالح جديدة وتلغي مصالح قديمة، وهذا يعني بالضرورة وقوف الكثيرين ضد إفساد مصالحهم ودعم البعض لأجل إرساء مصالحهم المأمولة .. (ونظام الأسد بالذات لم ينجح سوى بربط مصالح العالم معه).
المناشدات والبكاء على الشاشات وتصويرنا على أننا ضعفاء أمام جبروت الأسد لن يقدم مثقال ذرة .. ثم هو تغيير لحقائق الأمور ..
يكفي ندبا وبكاء ورجاءًا .. ولنتحدث بمنطق القوة، بمنطق الثورة، منطق من اخذ زمام المبادرة، وصنع واحدة من أعظم الثورات العربية ..
التفكير السلبي لا يرى إلا المشاكل والعراقيل والإخفاقات، حتى في الثورات ..

كما عملت وسائل الإعلام على صرف تفكير الكثيرين لمدة طويلة عن القدرة الذاتية للثورة والبحث في متى يتدخل المجتمع الدولي ولم وكيف، وهكذا أمضينا جمع كثيرة نرجو الآخرين التدخل تحت مختلف التسميات (مناطق آمنة، حظر جوي …) ولست ضد المساعدة الدولية للثورة، لكنني ضد الاستجداء لهم كل ساعة وفي كل مناسبة .. والبكاء على شاشات التلفزة لأجل ذلك ..
وأنا هنا لا أعمم، فهناك من يخرج ليتحدث بمنطق الثورة والقوة والتحدي والاستبشار ..

  • هناك أيضا التهويل الإعلامي الذي يُبرر عادة بالتصعيد الإعلامي لأجل حشد المجتمع الدولي، ‘فحي الإنشاءات مهدم بالكامل’ و ‘الأطفال لا يجدون ما يأكلون منذ أسبوع’ .. وهذه العبارات سمعتها أكثر من مرة، رغم عدم صحتها أبدا، ولا ادري ان كان الأطفال لا يجدون ما يأكلون ماذا عن الكبار .. يتعرض تقريبا كل خبر اقتحام من التهويل والتكبير الشيء الكثير ..
  • أخرج الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت! وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا.
    ونرى هنا بأن أشدّ يوم على رسول الله ليس يوم هزيمة المسلمين في أحد، رغم أنه يومها قتل سبعين من خيرة الصحابة، وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وجرى ما جرى للمسلمين ..
    لكن هذه تضحيات جزاؤها الجنة ولا يجزع المرء على تقديمها في سبيل الله، لكن الذي كان شديدا على رسول الله هو خوفه على الدعوة بعد ان تم رفضها من كبرى قبائل العرب آنذاك .. خوفه على الرسالة وانتشارها ..
    وهكذا .. فالبيت يعمّر، والشهيد يرحم، والأسير يطلق، والمريض يشفى، والنازح يعود … ولاقلق إلا على القيم التي انطلقت الثورة لتحقيقها أن تكون بخطر لا سمح الله ..
  • كنت لفترة أشهر طويلة أدخل المراهنات على متى يسقط النظام، مراهنا على اقرب وقت يطرح .. وهكذا حتى سمعت من والد الشهيد طاهر كلمة رائعة عجيبة : إن عبدًا لله يثور في سبيل الله يعود آخر كل يوم ولا يستلقي في سريره حتى يأخذ أجره من الله لا يضره متى يأذن الله ويحقق له مراده.
  • تبين باستقراء التجارب ومتابعة الأحداث بأن سيطرة الجيش الحر على المواقع، قد يترك أثرا طيبا في صفوف الثوار في المدة الأولى، لكن يستحيل تحقيق السيطرة على المدن حاليا، ودون قتال عنيف جدا يسبب ما يسبب في صفوف المدنين ..
    وأرى والله أعلم أن القيام بعمليات الهجوم وضرب الحواجز والاستيلاء على مستودعات السلاح، ونصب الكمائن للإمدادات وتعطيل المدرعات بالإضافة إلى حماية المظاهرات يكون بتكلفة اقل وضرر مادي اقل ويحقق معنويات كبيرة ويضعف من قدرة النظام أفضل من السيطرة المؤقتة على المدن ..
    صحيح أن هذا سيأخذ من الوقت أكثر لكنه أفضل كما أرى ..

ومانهاب الموت لو جانا الامن كلو ..