/ فقه الثورة

دردشة ثورية 7

-قلت في المرة الماضية بأن الأعلام سينثر العراقيل امام نجاح حركة الربيع العربي في تحقيق أهدافها بالشكل المرجو!
هل نسينا الطريقة التي كانت قناة العربية تغطي بها مجريات الأحداث في مصر، وكيف أنها كانت أقرب الى وجهة نظر النظام المصري بتشويهها للحقائق الميدانية، هل نسينا التثاقل الشديد لقناة الجزيرة في بداية تغطيتها لأحداث الثورة السورية .. لكن ربما لن ننسى الطريقة التي تعاطت بها مع الأحداث في البحرين، او تهميش مجريات الثورة اليمنية مقابل اي خبر آخر ..
لماذا انتبهت لاحقًا قناة الجزيرة الى ما يجري في سوريا وسارعت لتميُّزِها ..
لأن هذه القنوات كما هي كل القنوات في العالم تملك أجنداتها الخاصة (وهذا من حقها بالطبع) ولا تتحرك إلا بقرار سياسي، صحيح انها قد تكون على درجة عالية من المهنية لكن هذا لا ينفي الحقيقة التالية : ما نشاهده على شاشات التلفزة هو توجيه سياسي وليس مادة إعلامية حيادية ..
مجددًا .. هذا من حق الجميع، ولا يمكن لأي مؤسسة ان تعمل بدون خلفية فكرية وسياسية تفرز أجندات معينة، لكن السؤال هل نحن ننتبه الى هذا التوجيه السياسي غير المباشر ؟ هل تصب أجندة هذه القنوات في مصلحتنا وتتلاقى مع أجنداتنا .. ألا يمكن أن تتعارض المصلحتين في كثير من الاحيان ؟
لذلك هذه دعوة، الى عدم الاكتفاء بمتابعة محطة واحدة دومًا، لكن يجب التنويع، وسننتبه عندها الى اختلاف الاجندات الذي ينعكس اولا في صياغة الخبر وطريقة تقدميه والضيوف التي تناقش أبعاده، وهذا سيعطينا خيارات أكثر، وسنسمع وجهات نظر كثيرة .. متابعة بعض كتابات السياسيين والمفكرين وتعليقاتهم على الاحداث تسهم في توضيح الصورة أكثر .. والأهم ان نمتلك رؤية فكرية واضحة وثوابت نقيس عليها الامور نعيد لها الآراء.

  • سألني أحد الأصدقاء وقد اعتراه التشاؤم واليأس، من وضع الثورة في مدينة حمص وتراجع زخم التظاهرات قائلًا : متى كانت آخر مرة تظاهرت بها ؟
    وهنا وقفت مذهولًا، كنا نتحدث عن الثورة فهل باتت التظاهرات هي معيار قياس الحالة الثورية ؟ هل ثورتنا هي عبارة عن مظاهرات منادية بالحرية والديمقراطية (بالمناسبة هكذا تتعاطى نشرات الاخبار مع الثورة، أعد قراءة الجملة الأخيرة لتتأكد من ذلك).
    الثورة هي حراك ثقافي وفكري وسياسي واسع في المجتمع، تحمله فئة الشباب، لتصوغ من خلال مفرداته وخطوطه العريضة تغييرًا سياسيًا وثقافيًا وفكريًا واسعًا يفرز مجتمع جديد يحمل قيمه الأصيلة (التي من ضمنها الحرية طبعا) ويحقق حضارته المنشودة.
    هكذا أفهم الثورة، وهذا ما أسعى لتحقيقه في بلادي، نعم! أنظمتنا الاستبدادية الشمولية المعادية للإنسانية رفضت في بداية الحراك اي مطالبة بتغيير سياسي حقيقي (بإعتباره المدخل لتحقيق المعادلة السابقة) حتى لو كان جزئيًا، مما سبب غضب شعبي وانتفاضة واسعة على جميع مفردات الحياة السياسية من قمع وإذلال وتهميش وإهانة وغيرها تجلت في مظاهرات شملت حتى 25% من السوريين في ظاهرة اسطورية تعبر عن مدى القمع الذي تعرض له المجتمع طيلة عقود ماضية، هذه المظاهرات الضخمة سببت مواجهات دامية بين مدنيين عزل وقوات الامن ومن ثم الجيش مما ولد ظاهرة الانشقاق المتصاعد والدخول في حرب شوارع مستمرة الى اليوم، لن تتوقف (بكل ثقة) حتى اسقاط كافة رموز هذا النظام.
    لكن هذه المواجهات (مظاهرات سلمية ام حرب شوارع) لا يجب ان تختصر بها الثورة بأي شكل من الاشكل، نحن فقط اصطدمنا بنظام وحشي وكان يجب التخلص منه نهائيًا قبل متابعة طريقنا!
    هذا الطريق لاحقا لن يقتصر على انتخابات برلمانية ورئاسية بعد وضع دستور جديد، نعم هذا الجزء السياسي من الثورة، لكن هذا وحده لن يشكل ثورة.
    فقد تعرضت ثورات اخرى عديدة في تاريخ العالم الى الامتصاص والتلاشي بسبب عدم احداث تغيير عميق في بنية المجتمع (الفكر والقيم)
    فمن يسأل هل ستنتصر الثورة ؟ أقول له الثورة انتصرت فعلا وانتهى الامر!!
    الثورة بمعنى احداث تغيير في طريقة التفكير والموقف من الحياة والقيم التحتية لثقافة الانسان، تعرضت الى تغيير يختلف مستوى عمقه بإختلاف شرائح المجتمع، لكن يمكنني القول بأنه كان على مستوى عميق في شريحةٍ من الشباب ستنتطلق غدا لمتابعة ما بدأنا به بطريقة تفكير وعقلية مختلفة تماما عما كان سائدًا قبل الثورة.
  • كل شيء يدعوني للتفاؤل، بدقة أكثر لم أعد أعتقد بأن الامر مرتبط بالتفاؤل او التشاؤم بل هو بات مرتبط بمدى ايماننا بسنن الله في الكون .. بمعنى آخر الأمر محسوم تمامًا.
    البعض يتخوف مما يراه أحيانًا، من تخلي البعض عن الثورة! نعم هذه ظاهرة كانت مرافقة للحراك منذ بدايته، ولا داعي لنكرانها، أنا مثلا يمكنني ان اعدد الكثير منهم.
    منهم كان يقول ايام الثورة في مصر، آخ لو يصير عنا والله لنعمل هيك هيك .. ومع اول شهيد سقط ما عدنا نسمع لهم صوتًا.
    آخرون كثر كانوا يقولون، آخ لو كانت مسلحة، والله لنعمل هيك هيك .. ومع تصاعد وتيرة عنف النظام ما عدنا نشاهدهم بيننا.
    البعض كان مع الثورة البيضاء!! يقصد الثورة بدون سلاح يحميها ويدفعها قدمًا، وبدون اخطاء هي اكثر من طبيعية.
    لكن هذه ايضا من سنة الله في خلقه، ان يمحص الناس، فيتساقطون على طول الطريق (ثبتنا الله جميعا) وليس في هذا ما يدعو للخوف من عددنا الذي يقل، بل هذا احد سنن الله في النصر.
    {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}
    كان البعض يقلق ألا يحلق هذا الموعد، لكن طالما أنه ساعة الصفر أتت فلا شك في تحقيق وعد الله.
    {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ}
    {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}