/ فقه الثورة

دردشة ثوريّة 3

أعادت الثورة العربيّة للشباب العربيّ ربيعه وألقه، فكُسِر حاجز الخوف من النفوس، كأكبر عائق نحو التغيير، وبُدّلت النظرة حول مسؤوليّة الشباب ودوره تجاه مجتمعه، وكانت الثورة محطّةً تثقيفيّةً لكثير منهم، تعلّموا منها معاني الحريّة والكرامة والتضحيّة والديمقراطيّة ومبادئ العمل اللاعنفي والمقاومة السلميّة والتعدّديّة والعمل المشترك ..

وهذا ظاهرٌ وواضح للعيان، وإلى جانبه أمرٌ آخر لا يقلّ أهميّة عنه وهو أنّ هذه الثورة كانت خريفًا للنخب العربيّة، التي أثبتت فشلها وخيبتها في توقّع حركة الشارع ثم في مجاراتها، بل وفي كثيرٍ من الأحيان الوقوف ضدها أو العمل على كبحها وتقييدها ..
وتشمل هذه النخب كل المجالات، فكم من الرموز الدينيّة حذّرت من ‘الفتنة’ ودعت إلى ‘عدم الخروج على الإمام’، وكم من الإعلاميين كتبوا يتحدّثون عن ‘الغوغاء’ و ‘خيبة العرب’ و ‘فشلهم’، وكم من السياسين المعارضيين عقدوا جلسات الحوار مع النظام وقبلوا بسقفه الواطئ ومدّوا بحياة نظامه، وكم من الأدباء رفضوا ‘ثورةً تخرج من المساجد’ وكم من الفنانين ملأ الدنيا والفضائيات بكيل المديح للرئيس وإصلاحه ..
وكم من القوميين دعوا إلى الحفاظ على آخر معاقل المقاومة وإفشال المخطط ‘الصهيو أمريكي’، بل وكم من المفكرين وقفوا ضد الثورات وحذّروا من الإنجرار خلفها ..
لقد كشفت الثورة العربيّة عن وجود خطابين على الساحة الثقافيّة : خطاب قديم سائد، أسميته هنا خطاب النخب، تنتمي له معظم رموز الفكر والأدب والإعلام والصحافة والسياسة والدين، وخطاب الشباب وهو خطاب النهضة العربيّة بمختلف ألوانه ..
خطاب النخب، هو خطاب مكرّس لقيم التخلف : السلبيّة، الإبقاء على الأمر الواقع أو الإكتفاء بأقل تغيير، التخوين والتكفير والتسفيه، التقليل من دور الشباب، فرض الوصاية الفكريّة أو السياسيّة، فهم أعوج للعصر، عقدّة نقص تجاه اﻵخر المتفوق حضاريًا..
خطاب النهضة الشبابي مكرّس لقيم الثورة : الإيجابيّة، الثورة على الواقع وعدم وجود سقف للمطالب، إحترام الآخر وقبوله والتعرّف عليه، تعظيم دور الشباب وإمكاناتهم، طرح مفردات ثقافيّة وفكريّة جديدة ..
إن نجاح الثورة العربيّة لاحقًا في إحداث تغيير اجتماعي وثقافي عميق إلى جانب التغيير السياسي مرتبط بمحاربة الخطاب التقليدي واستئصاله، والعمل على بناء وإغناء ونشر مفردات الخطاب الشبابي النهضوي الجديد ..

ومن خيبة النخب : الفشل الذريع الذي منيت به المعارضة العربية في التعامل مع الثورة وحركة الشارع، ومما يستفزّني هو قول البعض أن حالة التصحر السياسي لمدّة أربعين عامًا أورثت حالة التشرذم والتفرّق عند المعارضة (أتحدّث عن الحالة السوريّة على وجه التحديد)، حسنًا .. وهذا الشارع .. ألم يعش هو اﻵخر كنف هذا التصحّر السياسيّ بينما كنتم في دول اوروبا وأمريكا تعيشون حالة فريدة من الفضاء المفتوح وحريّة الحركة والتفكير والكتابة واللقاء، ألم يعيش هذا الشارع (وهو فقط) ما تسمّوه بالتصحّر السياسيّ، فما باله أفرز مفهوم التنسيقيّات ثم التجمّعات ثم الإتحادات، ويعمل باستمرار ودأب على تحسين عمله وتوحيده .. لقد أثبتم فشلكم يا سادة ..

كادت دمعتي تخرج وأنا أقرأ اسم هذه الجمعة، لقد فعلها شباب الثورة في سوريا واليمن، وهاهو التنسيق يبلغ أعلى مراحله ليصل إلى مستوى الشعوب (مجددًا وداعًا للنخب) ليكون اسم الجمعة موحد : جمعةُ النصرِ لشامنا ويمننا، وهذه إحدى تجليات عبقرية الشباب العربي، وإحدى فوائد طول المرحلة الثوريّة الاولى ..

الشعوب العربيّة لا تعاني من مشكلة أو عداء تجاه بعضها إلا ماكان من صنع الأنظمة البائدة، وهي تتوق حقًا لتحقق الوحدة والتوّحد بعيدًا عن تنظير المفكّرين الصالونيين .. وأسرع مما تظنه ديناصورات التنظير الاجوف ..

في النهاية .. حقيقة أرغب بالتعرّف على مدونين عرب من كافّة أنحاء الوطن العربي، يكون لهم ميول في القراءة وحبٌّ في التعرّف على أبناء العروبة والإطّلاع على بيئاتٍ عربية أخرى ..

هل تساعدوني ؟