/ فقه الثورة

رمز الشجاعة الأدبيّة : الشيخ أبو الطيب الأتاسي

اعتدنا في حمص على جرأة مشايخنا وصدحهم بكلمة الحق الشجاعة منذ بداية الثورة، فكان بيان علماء المسلمين في حمص في السابع من نيسان، أوّل بيان من جهة رسميّة في الداخل السوري، تكسر جدار الصمت، وتطالب الرئيس بشكل مباشر بخمسة عشر مطلبًا هي الترجمة القانونيّة لإسقاط النظام والحريّة والديمقراطيّة.
ثم كان إعتصام الساعة في ساحة حمص في الثامن عشر من الشهر ذاته، وكان للمشايخ دور بارز في قيادة الإعتصام وبلورة مطالبه والخروج إلى وسائل الإعلام لإيصال صوتنا ورسالتنا ..
**تتعدّد المشاهد وتكثر .. ننسى بعضها، وبعضها لا يمكننا أن ننساه، ليس لأنه جزء من ذاكرتنا فحسب، بل لأنه شكّل ذاكرتنا .. شكّل شخصيتنا .. وحفر فينا معالم لا تنسى ..
**
كانت جمعة ‘أحفاد خالد بن الوليد’ الثاني والعشرين من تموز … نزل الخطيب من على المنبر، وأقام المؤذّن الصلاة .. اصطففنا مستعدّين .. ننتظر تكبيرة الإحرام .. قليلًا، نسمع جلبة في الصفوف الأولى .. أحدهم يطلب الميكرفون، يمسكه .. “السلام عليكم .. يا شباب هذه الجمعة جمعة ثورة .. واسمها خالد بن الوليد، يجب أن نخرج كلنا في المظاهرة وأن نقول للعالم أننا لن نركع إلا لله”
تتعالى أصوات الشباب في المسجد بالتكبير .. تهدأ الأجواء .. يكبّر الإمام .. وتبدأ الصلاة ..
أثناء المظاهرة سألت صديقي من هذا ؟ إنه الشيخ أبو الطيب الأتاسي .. قال لي.

الشيخ أبو الطيب هو أوّل من خرج معنا في مظاهرات الحي ..كم كان حريصًا علينا، يريدنا أن نوصل رسالتنا ونتحدى النظام وآلته القمعية بشجاعة وإقدام. لكن دون ان يحدث لنا مكروه ..كم كان قلبه معنا .. كم كانت نظراته تلاحقنا ..الشيخ أبو الطيب الأتاسي
مرةً بعد مرّة .. بعصاه التي ما كانت تفارقه، لحيته البيضاء، ملامحه البطوليّة، كلامه الحماسيّ .. صار رمزًا للثورة في الحي، سألته مرّة عن عصاه التي لا يتركها، فقال لي : هذه أحميكم بها، والله يحمينا..

الشيخ أبو الطيب هو الشيخ الوحيد الذي أشعرني بأن النظام سقط فعلًا لا قولًا عندما قال صادحًا على الإذاعة يوم الجمعة من المسجد بعد الخطبة : بشار الطاغية سيسقط بهمتكم يا شباب، سيروا بارك الله بكم ..
لقد أعاد الأتاسي للمنبر دوره ووظيفته وهيبته بعدما أساء لها البوطي وحسون وبقية الجرذان القذرة ..
قلت له مرّة متأثرًا بجرأته الشديدة : الله يجزيك الخير يا شيخ، والله انت بتنحط ع الراس .. أجابني : يا ابني ماعم نعمل غير الواجب، البركة فيكن، نحن شو عم نعمل …

عندما كان يقف ليلقي كلمة الثورة بعد خطبة الجمعة كنت أنظر إليه بنهم! بشغف! أحاول أن أشبع من عظمة هذا المشهد .. يوم جمعة .. ألوف المصلين .. شيخ بلحية بيضاء يلقي كلمة ملتهبة مسمّيًا الأشياء بمسمياتها .. هذا هو المنبر الحق، هذا هو الشيخ الحق .. كنت أحاول أن أمتلئ من شجاعته ..

أكثر من مرّة تعرضنا لإطلاق رصاص على المظاهرة، وما إن يهدأ الرصاص وأنظر إلى من بقي، حتى تقع عيني دائمًا على الشيخ أبو الطيب .. ياه .. **شيخ كبير في العمر، صامد أمام الرصاص **.. وغيره هرب!

كلماته الثورية كانت عفوية جدًا رغم أنه كان يحضّرها كتابةً على وريقة صغيرة، كان يتحدّث بلغة الشارع، بعيدًا عن صالونات المثقفين وكلامهم البارد وتنظيرهم الفوقي وتحذيراتهم وتوصياتهم .. كلمات بسيطة، لكنها مؤثّرة ..
فماهي إلا أسابيع قليلة .. وصارت مظاهرتنا تتجاوز الآلاف الكثيرة ولم يعد يبقى في المسجد سوى قلّة قليلة من كبار السن ..

اليوم في زخ القصف العشوائي العنيف على باباعمرو، والمآذن تكبّر، دخل الشيخ أبو الطيب إلى المسجد وقال عبر الإذاعة الخارجيّة : ياشباب بدنا دكاترة وممرضين ومواد اسعافية للمشفى، بدنا متبرعين بالدم ..
إغاثة وفزعة وجرأة وشجاعة … ياااااه كم تتمثّل فيه معالم البطولة ..
قنص الشيخ أبو الطيب الأتاسي .. وهو رافع رأسه .. قالها ألف مرة بعزة وعاشها بعزة، قالها بشجاعة وجرأة، وعاشها بشجاعة وجرأة : لن نركع إلا لله ..

ونحن أيضًا يا شيخنا .. لن نركع إلا لله ..
إذهب إلى رضوان ربك .. فقد تركت وراءك أثرًا لن يمحى ..