/ المجتمع والواقع

رمضان : قطار سريع ؟ أم خطوة إلى الأمام

بإختصار وبشكل مباشر : هناك ضخ “إعلامي” كبير في رمضان، لتقديم هذا الشهر على أنه “شهر التغيير” حسب اسم أحد البرامج التلفزيونية، بل و”ثورة التغيير” وهو عنوان أحد الكتب، كل الرسائل الإعلامية المباشرة وغير المباشرة تقود إلى قناعة مفادها : أنّ عليك أن تتغير في رمضان، وأن تفعل ذلك كما لم تفعل سابقًا.
كل برنامج ثلاثين حلقة، وكل حلقة تعلمك شيئًا ما، فرمضان يعلمك الصبر، الحلم، الأناة، التحمل، الشعور بالفقراء، التعوّد على القليل، روحانية الدعاء، إيمانية الصلاة، لذة المناجاة، طول التراويح، وخشوع التهجد، وختمات المصحف، ووووو
قائمة طويلة جدًا من كل ما يطلب منك في شهر واحد! بإختصار عليك أن تتحول إلى إنسان مختلف (على الأقل في هذا الشهر، لأننا سنتعامل معك في رمضان القادم من الصفر)
إنهم يتجاهلونك طيلة العام، ثم يأتون إليك في رمضان ..

يتجاهل الدعاة والكتاب الحقيقة التي يخصصون لها حلقات أحيانًا، التغيير يحتاج إلى وقت طويل، التغيير يتطلب التدرج، والحملات التي تشهد حماسًا شديدًا لا تلبث أن تفتر ثم لا تؤتي بنتيجة.
التغيير الحقيقي على الصعيد الشخصي، يتطلب أولًا تغيير البنية الفكرية والثقافية للإنسان، وهذا يحتاج بدون مبالغة إلى سنوات (لأننا نعاني من إرث سلبي وسيء جدًا مخزون في عقولنا، ومهمة التخلص منه وبناء فكر جديد في العقول ليست بالمهمة السهلة)
أي تغيير يتجاهل المكون الفكري هو تغيير سطحي، لا يلامس الأعماق، وقد لا يطول كثيرًا.
ثم إن التغيير يحتاج إلى حالات وجدانية معينة (رمضان يساعد في هذا الخصوص بالتأكيد)
ويحتاج إلى ظروف مناسبة (ماذا تقول مثلا عن الفقر ؟ المرض ؟ القصف والقتل … نعم هذه ظروف يمكن استثمارها للمساعدة في عملية التغيير، لكن ليس الحال كالمعافاة، الظروف تعلب دورًا كبيرًا)

ماذا يقول القرآن ؟ القرآن يقول بأن رمضان هو خطوة إضافية نحو التقوى، نعم هي خطوة أكبر من غيرها، ومهمة .. لكنها ليست أكثر من خطوة إلى الأمام ..
التقوى يمكن أن تتجلى في صيغ كثيرة، برأيي استغل فرصة رمضان لبناء عادة جيدة، أو التخلص من عادة سيئة، ركز على أمر واحد، أو اثنان … لا تهتم بتغيير كل شيء دفعة واحدة، هذا وهم كبير، لا تحاول ان ترفع مجاهدتك عدة أضعاف لمجرد أنه “هكذا يفترض”، و “هذا رمضان”

عندما نطالب الناس بما لا تقدر عليه، لن تحقق ما تقدر عليه .. هكذا الأمر ببساطة