/ المجتمع والواقع

زكام الإمتحانات .. المسكّن لا ينفع

أسوأ فترات العام هي فترة الإمتحانات، رافقني هذا الشعور (كما رافق الملايين حول العالم) طيلة السنوات الماضية، يفترض بي أن أنهي حياتي الجامعية بعد عامٍ من الآن، ولا أزال أشعر بالقرف، الإحباط، السوداويّة المطلقة في هذه الفترة من العام!
فكيف في عامٍ كهذا، لم نتمكن من حضور أية محاضرات، مع ذلك فنحن مطالبون بتقديم إمتحانات عامٍ كامل مضغوطة في ثلاثين يومًا (بعد جولة سابقة فاشلة بالطبع).
قرأت منذ فترة نصًا للشيخ علي الطنطاوي، يتحدث فيه عن نظام الامتحانات، كان يعبّر فيه عن إستغرابه من أن طالب الحقوق يتوجب عليه حفظ قانون العقوبات الجنائية (وغيره من القوانين) ليحصل على شهادة المحاماة، بينما الشيخ نفسه (وكان قاضيًا رحمه الله) لا يحفظ هذه القوانين!
يقول، كيف نطالب الطلبة بحفظ أشياء لا نحفظها نحن، بل نستخدم الكتاب والأوراق لشرحها طيلة العام أمامهم، ثم يضع حلًا فيقول، لو كنت ممتحنًا طالب حقوق لوضعت بين يديه مرافعة قضائية وطلبت منه أن يقوم بأدائها، وعلى هذا الأساس أقيمه.
ربما لا تكون المشكلة واضحة مع كلية الحقوق، لكن ماذا نقول عن طلاب الطب، إنهم مطالبون بحفظ عرض خلية السيتوبلازما، وأسماء المواد الفعالة ووظيفتها في كل دواء، رغم أن هذه المعلومات متوافرة في المراجع على الإنترنت مجانًا، وكان الأولى أن يمثل أمامهم مريض، فيشخصوا دائه ويصفوا له الدواء المناسب، وهذا هو الإمتحان الحقيقي.
لذلك يمكنني القول بأريحية بأني مهندس “دورات” 🙂 والدورات في العرف السوري (وغالبا العربي والعالمي) هي أسئلة الإمتحان الأكثر تكرارًا، غالبًا ما يمكنك عن طريق حفظها والقدرة على تسميعها حرفيًا أن تنجح في هذه الكلية وتحصل على شهادة مهندس!

الرشح الذي أعاني منه منذ عدّة أيام يزيد حالة الخمول والإحباط والقرف لدي، لا أدري لماذا يفترض بأن يكون الذين يحاضرون أمامنا هم دكاترة معقدون، يغرقون في معلومات عفى عنها الزمن، يظنون أنهم يحفظون الكثير، لكن هاتفي النقال الذي في جيبي مع متصفح الإنترنت يملك أداءًا أدق وأسرع من معظمهم.
كطلاب، نجد أن المهندس (أستاذ المخبر) هو الأقرب لنا، كشباب، كطلاب، كمهندسين يرغبون في معرفة الأشياء العملية حول المفاهيم العلميّة، وهو ما يفترض بالمهندس إتقانه.
لمَ يتولى مهمة تدريسنا دكاترة ؟ رغم أن قلة منّا فقط هي من ترغب أن تكون مثلهم، وتفكر مثلهم، بينما نرغب جميعًا في أن نملك معلومات وخبرة مهندس العملي.
يجب أن يخرج الدكاترة أصحاب الكتب السميكة من الكليات التدريسيّة، فمكانهم في مخابر ومعاهد البحث العلمي لا الجامعات، الهندسات يجب أن يستلمها مهندسون أكفاء لا غير، شباب لديهم الإطلاع على معلومات العصر وأدواته.
ماذا يفيد أن أحفظ 50 قانونًا للنجاح في مادة، بينما يمكنني متى شئت الوصول إلى هذه القوانين من المراجع أو من الإنترنت ؟! :-/

شايّ بردتْ! أغلقتُ الكتاب منذ ساعات وأحاول تزجية الوقت هنا وهناك
لا أمل في مادة الغد، يبدو أنها ليست الوحيدة أبدًا.
أشعر بهذه الحالة، بتأنيب الضمير، شعور بعدم الجدوى والإخفاق، والفشل .. على عكس صباحي الذي كان ممتلئا بالإنجاز والحيوية بينما أقوم بتدريس بعض مهارات الكمبيوتر الأساسية لطلابي في معهد محليّ هنا.
هذه معضلة أخرى .. أن تدرس ما لاتحب.
قرأتُ مرة أن شخصًا من كل اثنين في الولايات المتحدة يعمل في عمل لا يرغبه، أو لا يوافق مجال دراسته!
هذه إذًا مشكلة عالمية، النظام التعليمي ليس فاشلًا عندنا فقط، كل ما ذكرته أعلاه، ينطبق على الملايين حول العالم من مختلف الجنسيات والثقافات.
سيقولون لك بأن الشهادة الجامعيّة تبقى لك أمانًا وحرزًا في حال أغلقت الأبواب في وجهك، فيبقى بإمكانك التوظف بشهادتك!
لكن هذا يعني مجددًا أن تعود لنمط الحياة التقليدي جدًا، الملل جدًا، لن تموت من الجوع، لكنك ستموت من الضجر والشعور بالسأم وعدم الإنجاز ..

هناك توجه بدأ ينشط مؤخرًا، يحاول استهلام نمط الحياة الطبيعي .. الخالي من المؤسسات قدر الإمكان، أن يعتمد الأفراد على ذواتهم أو على خدماتهم الاجتماعيّة المحليّة.
التعليم المنزلي واحدة من أروع الأفكار، وهي لا تعني أن لا ترسل إبنك إلا في نهاية العام للمدرسة لإجراء الإختبار، بل هي أن لا ترسله إليها على الإطلاق، وأن تهتم أنت ووالدته بتعليمه، هذه الفكرة تبدو مغرية جدًا بالنسبة لي، وسأطبقها إن شاء الله عندما يكون عندي ذريّة … لقد قرأت عنها الكثير، لكن لا مجال هنا لإستعراض ذلك.

لا يبدو أنني قادر على مواصلة الكتابة أكثر، بينما تقرأون هذه التدوينة في الصباح .. سأكون أمام ورقة الإمتحانات أتأملوها، ألوم نفسي .. وأنوي الجد أكثر في الإمتحان القادم 🙂
لتسقط المؤسسات كلها 🙂