/ الديمقراطية

كتاب : في العلمانية والدين والديمقراطية

كنت جالسا اقرا في الكتاب و ارخي سمعي الى حصاد اليوم .. كان جمال ريان يحدث وزير الخارجية التونسي ويستفسر منه حول مؤتمر اصدقاء سوريا والذي سينعقد في العاصمة تونس في وقت لاحق من هذا الشهر ..
كنت اقول لنفسي بأن هذا الوزير متمكن، كم هي رائعة الثورة التونسية وقد جعلت من المعارض المسجون رئيسا للبلاد، ومن المعارض المنفي رئيسا للوزراء .. وهاهو وزير الخارجية شاب في الثلاثينيات ..
بعد قليل شكر جمال ريان الوزير باسمه : الدكتور رفيق عبد السلام … يا الهي! انه المؤلف ذاته ..!!
الدكتور عبد السلام باحث متخصص في مجال الفكر السياسي والعلاقات الدولية، وعمل في عام 2008 باحثا متفرغا في مركز الجزيرة للدراسات، وهو خريج جامعتي محمد الخامس في الرباط وجامعة وستمنستر في لندن.

يتناول الكتاب ثلاثة مفاهيم من اكثر المفاهيم تداولا في الاوساط العربية حاليا ومن اكثرها اثارة للجدل : العلمانية والليبرالية والديمقراطية ..
في مقدمة الكتاب يؤكد المؤلف بأن بحثه هذا ليس من باب الترف الفكري بل “ان مصير عالم الاسلام يتوقف على مدى قدرته على مواجهة التحديات التي تفرضها هذه الاشكالات النظرية ثم على مدى نوعية ما تقدمه النخب السياسية من اجابات وماتملكه في مواجهتها من خيارات”
ويلفت المؤلف النظر الى الطبيعة التعددية للدين وللعلمانية على حد سواء، فللدين مذاهب تأويلية عدة، كما أن العلمانية انما هي علمانيات متعددة.

في سياق العلمانية يقول المؤلف “ان العلمانية لم تكن نتاج مطارحات فكرية هادئة او مجرد تعبير عن رغبة مزاجية عنّت لبعض الافراد او المجموعات الفكرية والسياسية بقدر ماكانت عبارة عن حل عملي فرضته اجواء الحروب الدينية التي شقّت عموم القارة الاوروبية في القرنين السادس والسابع عشر … ذلك ان التاريخ المسيحي في صورته الغالبة كان مسكونا بحالة مزمنة من الصراعات والمنازعات الباردة والساخنة بين مختلف الطوائف المسيحية وغيرها .. ان مأساة الحروب الدينية على امتداد مئة وثلاثين عاما دفعت بالاوروبيين الى البحث عن الخروج من هذا النفق المظلم.
ان مفهوم التسامح الذي نشأ في مناخات الحروب الدينية ليس سوى استجابة لمعالجة الانقسام الحاصل داخل الكنيسة بالاساس ولم يكن معالجة لمشكلة التعددية الدينية على الاطلاق.

بينما تشهد منطقة الاسلام اقبالا متزايدا على الدين وانتشارا اوسع للتيارات الاسلامية وضمورا متزايدا وتراجعا تجاه التيارات العلمانية.
ان الاسلام دين متحرك في الفهم وخطوط الممارسة وكذا هو الامر بالنسبة للعلمانية والحداثة ولذلك فليس من المستغرب ان نجد اثرا لبعض المفردات المحسوبة على العلمانية او الحداثة داخل الاسلام نفسه.

واحدة من الصعوبات التي تواجه تحديد العلاقة الرابطة بين الاسلام والعلمانية تتعلق بالطابع الاشكالي لتعريف كلمة الدين، فحسب التعريف الغربي للكلمة يعني الديني الروحي والغيبي والباطني الى جانب وجود مؤسسة حصرية يتموضع فيها الديني ويوصف ما هو خارجها بانه زماني او دنيوي او علماني، وهذا ما يدفع بالكثير من المفكرين امثال ماكس فيبر الى عدم اعتبار الاسلام دين (وفق التعريف الغربي للكلمة) فالاسلام لايملك الفصل المسيحي بين ماهو دنيوي وماهو اخروي، بل هو دين يشمل الحياة كلها.

انه من التبسيط المخل قراءة واقع العلمانية في المنطقة من خلال مشهد الدولة و اجهزتها الرسمية التي لا تقدم صورة كاشفة عن واقع الدين او العلمانية على السواء. ففي بلد مثل تركيا حيث تنحو الدولة منحى علمانيا جذريا يبدو المجتمع شديد الميل الى التوجهات الاسلامية في حين انه في بلد مثل ايران حيث تقوم الدولة على اسس اسلامية شيعية صارمة تنجذب قطاعات واسعة نحو التوجهات العلمانية كشكل من اشكال الاحتجاج الصامت على ماتعده استبدادا دينيا وهذا ما يجعلنا نقول ان مشروع العلمنة او الاسلمة حين يكون فوقيا يستخدم ادوات الدولة الاكراهية يكون عنفيا و غير حقيقي.

ان فكرة التوحيد تتعارض في جوهرها مع فلسفة العلمنة التي تراهن على احلال التصورات الوضعية والمادية للكون والوضع الانساني محل فكرة الخلق والعناية الالهية.
اما اذا قصد بالعلمانية الاشارة الى الشؤون الدنيوية والنشاط الانساني في هذه الحياة الدنيا دون اضافة قيمة معيارية اخرى للكلمة فهذا ليس موضع اعتراض ولا اشكال، اللهم الا من ناحية استخدام المصطلح. فالاسلام في جوهره دين دنيوي (او لايفصل الدنيوي عن الاخروي) يسعى الى تجسيد رسالته في هذا العالم وبأدوات هذا العالم ايضا بدل الركون الى نظرية الخلاص الاخروي فما يميز الاسلام عن باقي الديانات هو هذا الترابط الوثيق بين الديني والدنيوي { قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين }
ولذلك لم يكن محض مصادفة ان اقترنت نشأة الاسلام بقيام الدولة والمجتمع في تاريخ العرب، وذلك بالنظر الى التحولات الهائلة التي احدثها الاسلام في مجال القيم والثقافة السياسية للعرب من خلال التركيز على مفاهيم الولاء والجماعة والشورى والعدل .

ان المشكلة عندنا ليست تسلط الدين والمعممين على الدولة وشؤون المجتمع بما يجعل المطلب الاقرب للمنطق والواقع في حالنا هو مطلب تحرير الدين من الدولة وليس العكس فالدولة متحررة اصلا من كل شيء عدا مصالحها، فليس ثمة دين حصري ومؤسسي يحصي انفاسها ويحول دون اطلاق حركتها بل الدولة هي الكابحة لحركة المجتمع و المتسلطة على مقدراته ومؤسساته بما فيها المؤسسة الدينية.

انه لامر مشروع ان تطالب الدولة بالالتزام بالمرجعية الاسلامية وباحترام ثقافة المجتمع بيد اننا نعلم ان الدولة ايا كانت هويتها الايديولوجية تكون خطرة ومدمرة حينما تسوغ لنفسها التدخل في خيارات الافراد وانماط حياتهم سواء باسم العلمنة او الاسلمة .

الفكرة الاخيرة التي ارغب في ذكرها هنا هي تشديد المؤلف على ان الديمقراطية هي ذات طابع آلي اجرائي لا تستوجب بالضرورة ان يسبقها تطبيع المجتمع بما يسمى الثقافة السياسية الديمقراطية (اي المفاهيم العلمانية الليبرالية) كما يؤكد الكثير من المفكرين والمثقفين العرب، مما يولد حالة احتكار للديمقراطية باشتراطات مسبقة ويأسس مشروعية استبعاد قوى سياسية واجتماعية عن طريق تصنيفها خارج دائرة ‘القوى الديمقراطية’.
لكن مما يؤكد على هشاشة صبغ الديمقراطية بطابع ثقافي او ايديولوجي صارم ما نراه واقعا من اشتغال الديمقراطية ضمن بيئات ثقافية وحضارية متباينة وفي اطار مرجعيات متنوعة خارج الفضاء الاوروبي و الاطلسي الموطن الاصلي لولادة المشروع الديمقراطي كالفضاء البوذي في اليابان وسريلانكا او الفضاء الهندوسي في الهند او حتى الفضاء الاسلامي في تركيا وتونس وغيرها.

الكتاب ممتع وعميق كنت بحاجة الى هكذا كتاب، بعض الاخطاء الاملائية شاغبت على تجربتي الاولى مع مركز دراسات الجزيرة، ما يعجبني بالجزيرة هي انها باتت مؤسسة اعلامية ضخمة وتتمتع باحترافية عالية، قناة هي الاكثر مشاهدة، موقع هو الاكثر زيارة، مركز للتدريب المهني والاعلامي، مركز للدراسات وآخر لحقوق الانسان واخير للشفافية …. اضف الى ذلك قناتها باللغة الانكليزية التي تعد نقلة نوعية بحق في الفضاء الاعلامي العربي.