/ فقه الثورة

لولاه .. لكنت أي شخص آخر أبله!!

بعد استشهاد الطاهر طاهر، حاولت مرارًا تجاهل الأذان، حاولت أن أنشغل أحيانًا، أو أتشاغل، أن أصرف إنتباهي .. أتظاهر بأنني لم أسمعه، أصغي السمع لأيّ طلق ناري، أقول لنفسي بأن الحالة الأمنية سيئة .. ولا تسمح ..
كنتُ أحاول أن أؤجل اللقاء .. لكن لم يكن بالإمكان إلغاؤه ..
لم أصمد لأكثر من أيامٍ قلائل .. استسلمت بعدها .. ونزلت إلى المسجد ..
وهناك كان اللقاء .. لقاء لا أحد ..
هل تعلمون هذا النوع من اللقاء، أن تذهب للقاء لا أحد .. نعم، تكون معتادًا على إرتياد مكانٍ ما، ورؤية أحدهم، ليس مجرّد صديقٍ آخر .. إنه صديق يجعل للمكان نكهة مختلفة، وبدونه .. لن ترى في المكان أكثر من كومة حجارة ..

دخلت المسجد، ‘لا تبحث عنه .. لن تجده’، قلت لنفسي ..
حسنًا .. سنصلي اﻵن، بعدها نرى ..
انتيهت من الصلاة، وإلتفت يمنةً ويسرة .. كعادتي .. أين هو .. أين هو ..
تمرّ عيناي بروّاد المسجد .. أهلا أهلا .. أسلم بعينيّ وبيدي على صدري .. عيونهم تنظر إليّ بشيءٍ من الشفقة!! … الشفقة! قلت لنفسي ، إنهم لا يعلمون ..
يمكنك أن تبحث اﻵن بشكلٍ أفضل .. المصلّون يغادرون المسجد، ويمكنني أن أجده اﻵن .. الزحام يخفي من نحب .. أحدث نفسي – فلا أحد معي ..
لا مشكلة ، أحيانًا يكون هو اﻵخر لم يراني ويرجع عائدًا إلى بيته .. فأخرج ورائه وأنا أحثّ الخطى ..

قلت له مرّة : لولاك .. لكنت أيّ أبلهٍ آخر ..
في كل مرة أشاهده فيها – مرتان على الاقل يوميا – أقص له قصصًا لا تنتهي، مقالة قرأتها على الشبكة، فكرة مرّت معي في كتاب .. ملاحظة تنبّهت لها في تأمّل، أخبار تقنية وسياسية وثقافية وشخصية!.. من يعرفني يعلم بأنّ لساني لا يتوقف ..
كنت أفرّغ حمولتي لطاهر، وطاهر كان من النوع الذي ينصت، وهذا ما يحتاجه واحد ثرثار مثلي، كثيرًا ما كنت أطلب منه رأيه، نصيحته مشورته .. خجول حتى في كلامه .. رغم أنني أشعر بقيمة ما لديه – إلا أنه لم يكن يتحدث إلا قليلا ..
واحد أبله ؟ سألني ..
نعم، فأنا إذا لم أحدّث أحدًا بكل هذا ربما أنفجر ..
الحديث عن حالة الإيمان، صيام أيام النوافل، صلاة الفجر في المسجد، غضّ البصر، الإخلاص، الإلتجاء إلى الله .. لم أكن أسمع ذلك إلا منه .. لذلك سأكون أبلهًا من دونه ..
طاهر كان مكمن شكواي عن اﻵخرين، يزعجني صديق مقرب .. فأبثّه انزعاجي، يؤلمني صديق محب .. فأبثّه ألمي .. يصعب علي أن أشكوا أحدًا من أصدقائي .. إلا لطاهر ..
نعم يا طاهر .. ألا ليت شعري .. كيف أبلّغك حالتي اﻵن من دونك ..

رأيته في المنام، منذ فترة ..
مررت إلى منزله، فرأيته هناك .. وجهه مشرق كأحسن مايكون الإشراق ..
قلت له .. كيف أنت هنا وقد استشهدت .. قال لي لا أنا فقط جرحت، أخبرته بأننا شيعناه ودفناه وأن والده كان معنا .. أخبرني بأنهم فعلوا ذلك حتى يكف رجال الغدر عن ملاحقته فهو مطلوب …
ومرة ثانية .. اتصلت به على هاتفه .. تحدثنا عن الدراسة، وسألته عن مواده، فقال لي بأنه لم يتبق له سوى ثلاث مواد .. وبأنه يتوق للزواج ..بعد التخرج ..
تخرّج وتزوّج … ولم يبق في هذه الحياة الدنيا إلا أمثالنا

خرجت من المسجد – قلتُ لنفسي : ألحقه قبل أن يصل لمنزله ..
أرتدي حذائي .. كومة من الحجارة، شيءٌ من السجّاد، أنوار … كتب على مدخله : مسجد ..
خرجت مسرعًا .. لم أجده .. هرولت قليلا .. لا .. ليس هو ..
ركضت لمفرق منزله …
ياه ..
لقد نسيت حقًا .. أو أنني نجحت في أن أنسي نفسي … طاهر انتقل .. لقد غير عنوانه .. كيف نسيت ذلك .. عنوانه الجديد كان أسهل من أن ينسى ..

طاهر : الجنّة – الفردوس الأعلى – جانب عرش الرحمن ..