/ فيض قلمي

مطر، دمع، أرض، ثلاثيّة الأنثى المقدّسة

[تأملاتٌ وجدانيّة عميقة]

  • مساء الخير، – مساء الأنوار
    كنتُ في الخارج، تأخرتَ قليلًا
    يبدو أنّكِ لستِ مرتاحة تمامًا، هو كذلك..
    ما خطبك؟، كلّ شيء.. كلّ شيء يؤلمني..
    غربة، غياب، شوق، بُعد، حرب، مهام، متاعب، تحمّل مسؤوليّة، ضيق الوقت والصدر، فقدان الأمن، الخوف من المستقبل…
    سلسلة الأسباب، وسلالة الآلام، وسلسبيل الدموع.. ثلاثيّة الأنثى المقدّسة

الدموع…
الدموع..
ليلة الدموع


لم أكن أعرف الدموع، قبل الأنثى..
لم تكن تعني الدموع لي شيئًا..
كانت دموعًا، قطرات من الماء المملح، نظرة بيولوجيّة بحتة، سمعتُ مرّة أنها تنظّف العينين، وتطهرهما، وإذا طال غيابها، فقد يسبّب ذلك إنسدادا للمجرى الدمعيّ..
معلومات بيولوجيّة لا أكثر..
جربتّ الدموع بضع مرّات، في المحراب، كانت بالتأكيد تجارب تدفقيّة رائعة، لكن لم تكن إنسانيّة (بالمعنى التشاركيّ)، كانت دموعي أنا وحدي.. بكلّ الأحوال، لم يبقَ منها سوى الذكرى..
الثورة أعادت ليَ ألق الدموع، كم بكت الرجال، كم اهتزت الجبال لذلك
مسجدٌ يغصّ بالرجال، ويضجّ بالبكاء، على ضريح شاب، هذا المشهد المهيب للغاية..
لكن مجددًا .. كانت الدموع جزءًا من المشهد ككلّ، لم تشكّل كلّ المشهد..
الأنثى..
عرّفتني على الدموع..
علمتني أنّ الدمع هو الإنسان..
أنّ الإنسان بلا حزن، ذكرى إنسان


مطرٌ…. مطرٌ
مطرْ
في ذكرى لا أستبين ملامحها، بدأتُ أردّد هذه الثلاثيّة
بدأتُ أحبّ المطر أكثر
كيف يعيد الحبّ لنا تعريف الأشياء، كيف يعطينا معانٍ جديدة
كنّا نرى القمر، فبتنا نشعر بجماله
كنّا نعرف السهر، فبتنا ننتظر إيابه
كنّا نسمع اللحن، فبتنا نخمر بشداه
كيف يعطينا الحبّ معانٍ جديدة… بل كيف يعطينا ملامح جديدة

مع هذه الثلاثيّة.. تذكّرت قصيدة السيّاب
مطر مطر مطر
عيناك غابتا نخيلٍ ساعتا السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر…
كانت المعاني تتجذر أكثر في وجداني، مع ترداد تلك الأبيات: مطر، عيون، سحَر، ابتسامة، خصب..
لم أكن بعد قد عاينت المطر، وهو هاطلٌ من العيون، في ساعة متأخرة، قبيل السحر، عندما يبتسمّ (أو يضحك)، ليكون الخير، كلّ الخير والورَق!

كم أسمتني مطرًا… مطرها.. منذ اليوم الأوّل
واحدة من مفارقات التسمية، هطول المطر صيفًا، في حرم الله، بل وأثناء دعائها، أن تجد أرضًا، طال غيابها
دلالة وجوديّة غالية
كنتُ مطرها
وعلى الدوام
كانت أرضي..
دموعها الأولى أربكتني كثيرًا
لمَ تخرج هذه الدموع
إنها تحرجني
تشعرني بالخطأ، بأنّ من واجبي إيقافها
احتجت إلى أشهر، أو إلى تحولّاتٍ وجدانيّة عميقة
حتى عرفت
ما هو المطر
وكيف أكون أرضًا


قدسيّة المطر أنّه ملحمة وصال السماء مع الأرض
ملحمة تتصل فيها السماء مع الأرض، بخيوط من ماء
هذا السائل الإلهيّ المقدّس
كان عرشه على الماء
وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ
ثم جعل نسله من ماء
الماء الهيّن الليّن، يملك وحده خاصيّة التغلغل في كلّ الأماكن الضيقة، الخاصّة، الجوانيّة
يتغلغل المطر في مسامّ الأرض
في داخلها
في جوانيتها المقدّسة
ولا تبخل الأرض في تقديمه مجددًا
ينابيع صافيّة
جداول عذبة
آبارًا راوية
وصالُ السماء مع الأرض
السماء والأرض..
إلتحام الثنائيات
الأنثى والذكر
العلويّ والسفليّ
الألم والراحة
دموعك -أيضًا- اخترقت مساميّ كلّها


وللأنثى مطرها
كما للسماء مطرها
ولها قداستها وطقوسها
كتلك التي للسماء
وتحتاج إلى أرضٍ تسقط عليها
تحتاج إلى من يعطيها معناها
الثنائيّات التي يفضي بعضها إلى بعض، التي تكتمل ببعضها، تتناغم مع بعضها

لا تصارع بين الثنائيّات كما علمونا
الشر يفضيّ إلى الخير، والخير يفضيّ إلى الشر
عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم
وعسى أن تحبّوا شيئًا وهو شرّ لكم
ماذا بقي من معنىً منفصل، للخير أو للشر، إذا كان كلّ واحدٍ منهما يفضي إلى صاحبه
تتالى المعاني، لتنجبَ الحياة
“عسى” هذه، تسعى وتقارب
لم نفرح بالخير إذًا، لم نحزن بالشرّ إذًا
لم يعد هناك خيرٌ أو شرٌ
هناك حياة، تمتلئ بالمعاني، وفي كلّ معنى دروب كثيرة
في الخير هناك شر
وفي الشرّ هناك خير
اختر ما تريد، اصنع قدرك

عجبًا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه له خير
ليس حتمًا أن تختار طريق “الشر” الذي يكمن داخل الخير، يمكنك أن تختار غيره
ليس سيئًا أن حدث لك “الشر”، ففيه دربٌ للخير
دروب مفتوحة، ومعانٍ “تسعى”، وأنتَ القصّة كلّها


يلد المطر داخل الأرض، هذه الثنائيات، في ملحمة إلهيّة مقدّسة
فقد يكون بئرًا، يختزن الماء، لأيام الجفاف والعطش
وقد يكون سيلًا جارفًا، يقلع معه كلّ خيرٍ على الأرض
هذا كلّه يتبع… كيف ستتعامل الأرض مع ماء السماء
أيّ دربٍ ستختار..
هل ستفتح له صدرها
فيكون الخير
أم سترتدي أمامه درعًا
فيغدو شرّ

إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له
الشكر والكفر نقضيان
الشكر يقودك إلى الخير
الكفر هو الستر، فإذا سترت الشيء وغطيته، يقال أنّك كفرته
كما تستر الأرض صدرها، فتكفر بالمطر، فيغدوا سيلًا عارمًا
فاخلعي درعك، اخلعي سترك، دعيها عارية..

وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له
صبر، هكذا يسمّى درب الخير داخل الشرّ
كنبتة الصبّارة، تمدّ جذورها بلا يأس بحثًا عن الماء
ولن تعدمه طالما أنّها تبحث عنه
ابحث عن الخير تجده

الشكر والصبر: دروب، معانٍ، وجدانيات، خيارات
ليس  كلمة على اللسان وليس انتظارًا للفرج


وكانت دموعك مطر السماء..
وكان هناك أرضٌ تنتظرها
وفي ملحمة إلهيّة أخرى
ولدت الثنائيات
ضيق صدرك صار انشراحًا
همّ فؤادك بات ارتياحًا
آلامك وعذاباتك باتت بعيدة
بقيت هي نفسها
لكنها لم تعد شرًا
باتت خير
التقطتها أناملي
تعاملت معها شكرًا لا كفر
مطرك وأرضيّ

ألم أقل لك
مطر
مطر
مطر


دموعك كانت حارّة
أناملي كانت باردة، إذ الحرارة كانت من نصيب قلبي
لمْ تستريها
بل سمحتي لها أن تكون مكشوفة
لم تخبئيها
لا في مقلتيك
ولا على وسادتك
هو كان يبحث لك عن درب الخير
كان يصبّرك
كان يمدّ جذوره، يبحث عن الخير
هناك
في تلك اللحظة
ضحك الإله
ضحك؟!
أويضحك؟


ودموعك تنسكب على الوجنتين
تشكين الغربتين
تعبٌ هو إذًا..
لا بل أكثر
يأسٌ..
ربّما
لكن في لحظاتٍ كهذه، كلّ شيءٍ يغدو مضاعفًا
قنوط..
الطاء تغلق الفسحة التي تتركها الواو. تغلقها، ولا يبدو شيئًا آخر ممكنًا
سوى سيناريوهات سيئة
تُشعركِ أنّك الخاسر الأكبر..
القنوط إذًا


“ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، قيل أويضحك ربنا؟ قال: نعم، قيل: لن نعدم خيرًا من إله يضحك”

قنوط
ضحك
خير

في ساعة متأخرة من الليل، قبيل السحر
ضحك الله
فابتسمت هيَ
وأورقت الكروم
دموعها باتت أكثر، مع الابتسامة!
لم أعد أمتلك نفسي..
ها هي دموعه تشقّ طريقها


“عينان لا تمسّهما النار…. وعينٌ بكت من خشية الله”
هل تبكي العيون خشية من النار والعذاب؟
عيونك لا تقول ذلك
ودموعك تفجّر معانٍ أخرى
يقول: من خشية الله
هل الله عندنا اختزل في نار وعذاب؟
كيف صار ذلك
لا مجال هنا لتساؤلات منطقيّة
بقدر ما هي تدفقاتٍ وجدانيّة
دموعك تغيّر المعاني
دون كثير سجال فقهيّ
لم يخرج الفقهاء يومًا من كتبهم أصلًا، فلمَ أريد إخراجهم اليوم
فاليبقوا هناك، راقدين بسلام، كي نكون نحن أيضًا بسلام

يضحك الله
فباتت دموعك أغزر حينها، عندما سمعتيه
أفلا تكون هذه عَينُها دموع الخشية، من الله، لا من النار


توقف المطر
ليس بخلًا
لكن لأنّ السماء ارتاحت
و الأرض ارتوت
والغيوم هدأت
والشرّ بات خيرًا
تجلّى الإله
في ضحكه
وخيره
وعطائه
ورضاه
وحبّه
وهباته
ارتاحت السماء، وارتوت الأرض، وأورقت الكروم
كم يحبنا الله
كم يحبّنا


آخر الليل، بعد ملحمة المطر، والدموع، والأرض
بعد الضحك، والخير، والراحة والارتواء
نعسٌ تام
ولن يكون النعاس هنا، إلا أمنا

“إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، وينزّل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به، ويُذهِبَ عنكم رجز الشيطان، وليربطَ على قلوبكم، ويبثّبت به الأقدام”


“يا عبدي.. لم أخلقك لأربح عليك، بل لتربح عليّ”