/ تطوير الذات

هل علينا ان نرضى عن انفسنا؟

بسم الله الرحمن الرحيم:

لطالما احترت في هذا السؤال: هل علينا أن نرضى عن أنفسنا؟ إلى أن هداني الله للقول الفصل بإذنه تعالى، وقد أحببت أن يشاركني طمأنينة الإجابة من كان قد شاركني حيرة السؤال ..

على المؤمن ألّا يرضى عن نفسه:

دائماً كنت أقرأ في كتب الدين أن على المؤمن ألّا يرضى عن نفسه، ومن أمثلة ذلك حكمة ابن عطاء الله التي تقول:
أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَغَفْلَةٍ وَشَهْوةٍ؛ الرِّضا عَنِ النَّفْسِ. وَأَصْلُ كُلِّ طاعَةٍ وَيَقَظَةٍ وَعِفَّةٍ؛ عَدَمُ الرِّضا مِنْكَ عَنْها. وَلَئِنْ تَصْحَبَ جاهِلاً لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ عالِماً يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ. فأَيُّ عِلْمٍ لِعالِمٍ يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ! وَأَيُّ جَهْلٍ لِجاهِلٍ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ!
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ويقولون أيضاً: أن الكريم ابن الكريم ابن الكريم [يوسف عليه السلام ] قال (وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء). فقد وصف نفسه بالسوء فما بال أحدنا!!
ومن جملة ذلك ما كتبه الشيخ الغزالي في كتابه (الجانب العاطفي في الإسلام) تعليقاً على الحكمة العطائية السابقة:
“لا يبحث عن الشفاء إلا من أحس المرض، أما من أصيب بعلة فلم يشعر بها ولم يستشف منها، فإن جراثيمها تستشرى فى أوصاله حتى تأتى عليه. وكذلك النفس الإنسانية لا يطلب لها العافية إلا من أدرك ما بها من أدواء والشعور بالنقص أول مراحل الكمال. فإذا وجدت امرأ راضيا عن نفسه فافقد فيه الأمل، لأنه ينطوى على ركام من العيوب والنقائص وهو لا يلتمس الخلاص منها بل إنه فاقد الشعور بوضاعتها. وهيهات لمثل هذا اكتمال أو نجاة”
وقبل كل ذلك حديثه صلى الله عليه وسلم “أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك”…
فهل أخلص من كل ذلك إلى أن المؤمن عليه ألا يرضى عن نفسه؟؟

الرضى عن النفس … لب علم النفس:

ولكني أقرأ في كتاب (الإيمان والحياة) للدكتور يوسف القرضاوي فصلاً كاملاً سماه (المؤمن راضٍ عن نفسه)!
وما رأيت أو سمعت أن أحداً من أساتذة التنمية البشرية أو علماء النفس إلا وقد تحدث عن (الرضا عن النفس) وهذا أمر معروف لكل من يقرأ في كتبهم، أمثال الدكتور إبراهيم الفقي، ديل كارنيجي والجميع دون استثناء..
حتى أن برايان تريسي في كتابه (علم نفس النجاح) قال بأن الرضا عن النفس هو لب النفس البشرية … والدكتور الفقي ينصحنا دائما بأن نكرر على انفسنا جملة (أنا راض عن نفسي) …
إذا نحن أمام إلتباس حقيقي، ولا تقل لي أنه عليّ أن أقدّم النقل على العقل، وعلوم الشريعة على التنمية البشرية، فإن ما توصل إليه العلم الحقيقي الموضوعي الصافي لا يتعارض ولا بشكل من الأشكال مع الدين.
فما هو إذا الجواب …

المدخل في حل الإشكال:

كتب الإمام الغزالي في إحياءه العظيم في أول ربع المهلكات، كلاماً ذهبياً يعتبر المدخل الهام لحل هذا الإشكال، فلنقرأ بتركيز:
فصل (بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي):
“اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب، ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة.ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا”
ثم قال رحمه الله في شرحه للفظ (النفس) مايلي:
“اللفظ الثالث: النفس، وهو أيضاً بين معانٍ، ويتعلق بغرضنا منه معنيان: أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التوصف؛ لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام { أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك } .المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها”
“فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات”

الكلام السابق يحل الإشكال الذي وقعت به لمدة عام تقريباً، وهو نفسه الإشكال الذي قد يتبجح البعض بذكره في معرض نقدهم لعلوم التنمية البشرية المختلفة دون أن يكلفوا أنفسهم أدنى جهد بالبحث عن القول الفصل.

شرح بسيط:

إذا: عندما نقول (أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس) أي رضا الإنسان عن مجموع ما يحلمه من صفات مذمومة، ورضاه عنها يقعده عن معالجتها، وهذا طبعاً مذمومُ غاية الذم فعلى الإنسان أن يأخذ نفسه( بالمعنى الأول) عدوة له يتهمها ويفتش عن عيوبها ويصلحها.
ثم عندما نسمع أصحاب التنمية البشرية يتحدثون عن أهمية الرضا عن النفس، يقصدون ماعناه الدكتور القرضاوي في الكتاب الذي تمت الإشارة إليه مسبقاً؛ حيث قال:
“المؤمن راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه في الكون، لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملاً، ولا شيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة في أرض الله”.
أي أنهم يقصدون المعنى الثاني للنفس..
إنهم يتكلمون عن الرضا عن (النفس) وليس عن (الصفات المذمومة) إنهم يحذرون من عدم إعطاء النفس قيمتها العالية

نشأة الإشكال وسببه:

لماذا لم نكن نسمع إذا من قبل ولم نقرأ في كتب أسلافنا عن مفهوم الرضا عن النفس؟
السبب، والله اعلم .. يكمن في نظرة الماديين الجديدة للإنسان:
فهو في نظرهم قبضة من تراب هذه الأرض. من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل والى الأرض يعود!! هو كائن ليس له أهمية ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة على هذه الأرض، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره إنه بمرور الزمن (تطور) فأصبح هذا الإنسان!!.
إن أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان زنته مائة وأربعون رطلاً ( 140 ) وأمعنا النظر في تكوينه وجدنا بدنه يحتوى على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع ( 7) قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع ( 7) أقلام رصاص.
قدر من الفوسفور يكفي لصنع رؤوس ( 120 ) عود ثقاب.
قدر من ملح المغنيسيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات!
وهذه المواد تشترى من الأسواق بمبلغ من المال يساوي خمسين أو ستين قرشاً مصرياً!!.

يقول أحد ملاحدة العرب المعاصرين:

“هل نحن فكرة أكثر من كون الحشرات فكرة؟! نحن لا نساوي أكثر من أنفسنا، وكذلك الحشرات. ونحن لا نريد إلا أن نحقق أنفسنا، وكذلك أيضاً الحشرات؟!”.

هذا الإستحقار والإستخفاف من الماديين بقيمة الإنسان وعدم رضاهم عن أنفسهم كبشر كأعظم المخلوقات خطير جداً على النفس البشرية ويهدد الصحة النفسية بشكل حقيقي.

أما نحن كمسلمون فلم نكن بحاجة إلى توضيح مثل هذا المفهوم فالإنسان في نظر المؤمنين مخلوق كريم على الله، خلقه ربه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وفي آيات كثيرة من سور شتى، بين القرآن قرب الإنسان من الله، وقرب الله من الإنسان، ذلك القرب القريب الذي حطم أسطورة الوسطاء والسماسرة المرتزقين بالأديان … وعندما تمرد إبليس على أمر ربة بتحية هذا المخلوق الكريم طرد من الجنة من رحمة ربه وأصبح رجيم ..
إن الإنسان سر القبس الذي هو فيه من نور الله، والنفخة التي فيه من روح الله.

ولله در القائل:

دواؤك فيك وما تبصر … وداؤك منك وما تشعر!!

وتزعم أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر!

يقول الفقيه أبو بكر بن العربي: “ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً، قادراً، متكلماً، سميعاً بصيراً، مدبراً، حكيماً”.

وهذه هي صفات الرب جل وعلا..

وإدراك قيمة الإنسان بشكل عام والمؤمن بشكل خاص في العقيدة الإسلامية أمر يطول شرحه فاقرأ إن شئت من كتاب (الإيمان والحياة) ما يتعلق بذلك، فقد أطال وأجاد في حديثه عن قيمة الإنسان.

فكيف يرضى المشرك عن نفسه؟؟.. وكيف لا يتولد لديه إذ ذاك عقد نفسية خطيرة؟؟ …

وكيف لا يرضى المؤمن عن نفسه؟؟ .. وكيف لا يعيش حياة نفسية آمنة؟؟

وقفة:

فإن على المرء أن يرضى أيضاً عن شكله وحجمه ولونه ولغته وكل ماحباه الله من مواصفات فربه هو الحكيم العليم الذي لا يظلم أحدا.. وهذا داخل في مفهوم الرضا عن النفس ..

والى لقاء آخر بحول من الله أستودعكم الله والسلام عليكم..