/ طريفياتي

القهوة، المشاعر، الكتابة، وأشياء أخرى..

– أحتسي الآن فنجان القهوة الثالث أو الرابع لهذا اليوم،  بينما أستمع لأغنية “العد العكسي” للفنان مروان خوري، وهي أغنية تشكل إنقلابًا على الموروث والمعاش الثقافي العربي، إذ تستدعي الكلمات في الأغنية المذكورة كل مفردات التمرد، التحدي، الإيجاب، الفعل، والمبادرة، في ثقافة تعرّف نفسها بالنقيض من ذلك كلّه.
الأغنية بشعبيتها تعبّر غالبًا عن المزاج الشعبي، لكنها هنا تشق طريقها المتفرد، في محاولة لخلق مزاج ثقافي بديل: “قرر عن نفسي بنفسي، بإيدي آخد قرار، أخلق من حزني ويأسي من حبسي الانتصار .. لا بكرا يقرر عني، ولا قدري إللي بريد.. ما بندم ع الماضي، بندم عاللي ما صار، الدنيي شو الها معنى لولا الاختيار، وبعيش حياتي لأول مرة حلوة وسعيدة، مجنونة حرة لوحة ارسمها بايدي”.
الشاب الذي سبق أن صرح على هامش مشاركته في مهرجان الدار البيضاء أنه مع الثورة، وأن الشباب بحاجة للثورة والتغيير، يبدو أنه يحمل في وجدانه (وهو كاتب كلمات الأغنية) الكثير من المعاني التي تدشن بحق ثورة على كل السلبية المحملة في عقولنا ونفوسنا.
لا أريد المبالغة في مديح الأغنية، أظن أن سماعها أفضل من إكثار الحديث عنها.

– قرأتُ منذ فترة مقال مترجم بعنوان “لماذا تختفي المشاعر في العلاقات“، المقال تناول دراسة أجراها باحثون أمريكيون وأوروبيون عام 2003 على قرابة 1700 شخص، توصلوا من خلالها إلى أن العلاقات الزوجية تتمتع بتحقيق مستوى عالي من السعادة، في عاميها الأول والثاني ثم ما يلبث المنسوب أن ينخفض إلى أن يعود الزوجين إلى مستواهما العادي من السعادة، ويستمر ذلك 20 عاما، حيث يكون الزوجين بعدها أمام فرصة جديدة لحياة أسعد وأكثر إثارة كتلك التي أمضوها في فترة العسل، ويحصل ذلك عندما يغادر الأطفال المنزل، ويغدو هناك وقت من جديد لخوض تجارب مثيرة وقضاء وقت ممتع مع الشريك.
وبغض النظر عن الدراسة، فإنه من الملاحظ اجتماعيًا أن قدوم الأطفال ينهي مرحلة الزوجين العاشقين ويدشن مرحلة الآباء المسؤولين، وهي مرحلة لا يمكن أن تتوقف حتى استقلال الأبناء عن آبائهم (وهو شيء مؤجل حتى الثلاثين في عالمنا العربي)، وعندها يكون الوالدين على مشارف الخمسين أو الستين، مما يقلل فرص وإمكانية قضاء وقت لنفسيهما.
ويمكننا هنا تسجيل الملاحظات التالية:
– التبكير في إنجاب الوليد الأول يقلص فرص السعادة الزوجية وتعرف الزوجين على بعضهما وقضائهما لوقت رائع ومميز مخصص لهما فقط.
– عدد أولاد أكبر يعني تقليص المساحة الخاصة بين الزوجين.
– تأخير استقلال الأبناء عن آبائهم ينهي أي فرص ممكنة بقضاء وقت مخصص للنفس في العقود الأخيرة من العمر.
– ولا تنس صديقي، الإنجاب خيار وليس إجبار، قد لا ترغب به أساسًا!

– من المقالات التي استوقفتي في الأسبوع الماضي أيضًا، ما دونه الصديق طوني على صفحته نينار، بعنوان “لا تعشقي كاتباً… ومعضلات أخرى“، ومعضلتي مع النصّ أن طوني جعل من تجربته مع الكتابة مدخلا وحيدا لتحديد هوية الكاتب، مشكلاته، ووظيفته، ففصّل “الكتابة” على مقاسه كما نقول في المحكيّة.
بالطبع فإن لكل إنسان تجربته في هذه الحياة، ولكل كاتب مخاضه مع الحروف والكلمات، ومن أكثر النصوص جدارة بالقراءة تلك التي تخطّ تجربة الآخرين،  لكن تعميم مخرجات هذه التجربة، ووصمها وحدها بالتجربة الحقيقية، ينطوي على شيءٍ من الإجحاف لتجارب الآخرين.
لنقرأ:
“أن تعشقي كاتباً يعني أنك ستكونين إلى جانب شخص يعيش صراعاً كل يوم لأن الكتابة الحقيقية في زمننا الحالي هي صراع يومي، صراع مع الذات ومع ألف تنين يحيط بنا في كلّ مكان، ونتيجتها الحقيقية على المدى البعيد هي إما الجنون، أو الاستسلام، وكلاهما نهاية مأساوية لا يستحقها أحد.”
الكتابة صراع يوميّ، ونتيجتها: الجنون أو الاستسلام، فقط ما أود إضافته هنا أن هذه هي تجربة العزيز طوني، وهناك ما لا يحصى من التجارب الأخرى المتنوعة والفريدة، التي تشكل بمجملها مقاربات مختلفة لفعل الخلق – الكتابة.
فالكتابة عنديّ  (مثلا) تصالح يوميّ، نتيجته الحتمية إنضاج للفرد، الكاتب والقارئ، يتصالح الإنسان بها مع ما يعج دواخله من أفكار ومشاعر، يكتبها فيغدو أكثر وعيا بها، وأكثر قدرة على فهمها، والسيطرة عليها، ومن ثم يمكن للآخرين أن يكونو أكثر قدرة على ملامستها في تجاربهم، ومحاولة الإستفادة منها.
الكتابة يجب أن تفضي للسلام والاستنارة، وليس للجنون والاستسلام، حسبما أرى.
لنقرأ:
“هنالك طرق لا تحصى لجني المال منها، لكن معظمها في عصرنا الحالي يستوجب القيام بصفقة مع الشيطان. يبيع الكاتب روحه – أو جزء منها فقط إن كان محظوظاً – مقابل راتب آخر الشهر، في صحيفة أو مجلّة أو مؤسسة بحثية…ألخ. الثمن هو بطبيعة الحال أنه سيكون عليه “تطويع” رأيه وتدجين قلمه كفاية ليناسب رأي المؤسسة التي يعمل فيها، أو ليكتسب رضى مدير التحرير والقوى السياسية والثقافية التي تقف خلف مؤسسته.
هذا يعني أيضاً أنه لا يختار المواضيع التي يعمل عليها ولا الأسلوب الذي يكتب فيه؛ إذ عليه أن يتحوّل إلى جزء من جوقة سياسيّة أو فكرية معيّنة، أو أسوأ، أن يتحوّل إلى صحفيّ. أن يصبح الكاتب صحفياً هو أسوأ ما يمكن أن يحصل له، لأنه ينقله من أدب الكتابة إلى نقل الأخبار”
وهذا أيضًا تعميم للتجربة الشخصية، وإهمال لمعطيات باقي التجارب، بينما يمكنني القول وفق تجربتي البسيطة إلى اليوم (ثلاث أعوام من النشر، وستة من التدوين) أنه لم يفرض عليّ يوما أن أكتب حول ما يريد أحدهم، أو أن أخالف فكري وروحي، نعم قد ترفض هذه الجهة نشر مقالٍ ما، لكنيّ أعيد نشره في جهة أخرى،  وبكل الأحوال لستُ مضطرًا في نهاية المطاف إذا لم أجد من ينشر لي نصًا أن أمزقه أو أكتب ما يخالف قناعتي، بل يمكنني نشره على صفحة مدونتي (حصل ذلك معي مرة واحدة)، مع العلم أن معظم دخلي يأتي مما أكتبه، مخلصًا لقناعاتي ورؤيتي (وهي أشياء معظمها ليس ثابت بالمناسبة).
أضف إلى  ذلك أن العمل الصحفي (بالاجمال) ليس أسوأ ما يمكن أن يعمل به الكاتب، بل لعل الصحافة واحدة من أهم قنوات مخاطبة الجماهير الحقيقية التي لا تجد وقتا ولا قوتا لقراءة الكتب المعتقة، فهي تمسك الجريدة اليومية للحصول على وجبة من الأخبار والأفكار والتحليلات. بل إن كثيرا من الأفكار التي أحدثت ضجة عالمية أتت من مقالات نشرتها الصحف اليومية، توسع بها كتابها فيما بعد في كتب مستقلة (كنظرية صراع الحضارات).
نعم الغرق في بحر الأخبار اليومية والتصريحات غير المنتيهة قد ينهي مسيرة مؤلف كبير، لكنه قد يكون وظيفة كاتب يرغب في أن يتناول الأخبار من وجهة نظره، وبأسلوب قرائته المستقل (وهذه هي فكرة مقالات الرأي).
عدا ذلك، أتفق بالاجمال مع ما ذكره المقال من تحديات أخرى يمتحن بها الكاتب، كاستنزاف الشبكات الاجتماعية لوقته وفكره، وقوعه أسيرا في توقعات القراء وتصفيقهم، وحاجته للعزلة والصمت.

– على سيرة كتاباتي :)، نشر لي موقع الأوان مؤخرًا مادة بعنوان “نقد النصّ الديني، التاو نموذجًا“، ويتناول المقال فكرتين لمستهما مؤخرًا عند قراءة النصوص الدينية بتجرد موضوعي:
الأولى لغة النص الفضفاضة، مما يجعل قيمته صفرا دون باقة من الكتب المساعدة، اللغوية والتفسيرية، أسباب النزول، غريب القرآن، مشكل الحديث، كتب الطبقات، الروايات، التاريخ، الخ..
خذ القرآن على سبيل المثال كما هو، مترجما وأعطه لرجل يعيش في كندا، كم تتوقع النسبة التي سيستطيع الرجل فهمها، فضلا عن الاستفادة منها؟
ولو لم تعرف الاجابة، امسك الإنجيل، الآن على الحال، وإقرأ منه عشرات الصفحات، وأخبرني مقدار فهمك له.
الملاحظة الثانية: قدم النصّ، وهذا  ليس عيبًا بحد ذاته، وإنما هو آتٍ باعتبار النصّ نتاجٌ بشريّ، وأن الفكر البشري في كل عصر محكوم بالأدوات الفكرية التي أنتج وفقها ومن خلالها، وبالسقف المعرفي المتاح في ذلك الوقت، كما أنه يعالج مشاكلًا كثيرٌ منها لم يعد له وجود، أو أن العقل البشري توصل لحلول أكثر فاعلية بخصوصها، كما أنه يغفل الحديث عن مشاكل هي عصب الحياة اليوم. بعبارة أخرى، قدم النص، يخرجه من روح العصر الذي نحن فيه.

– انتقلت مؤخرًا للعمل على توزيعة أوبن سوزي، بالاصدار 13.2 وكتبت مراجعة بسيطة عنها هنا.

– هل أخبرتكم مسبقا عن هذه الإذاعة؟

دمتم بخير.