/ كتب قرأتها

الدكتور العمري ... رادم الأنفاق

حظيتُ مؤخرًا بشرف اللقاء مع الدكتور أحمد خيري العمري، هذا المفكّر العملاق الذي كنتُ قد قرأت له جميع عناوينه، بإستثناء كتابه (ليلة سقوط بغداد).
الدكتور أحمد طبيب أسنان من مواليد العراق 1970، مهتم بقضايا الفكر وفكر النهضة خصوصًا.
وعلى الرغم من أنه كانت متاحة أمامي أكثر من فرصة سابقة لزيارته أو التعرف عليه (آخرها كان حفل تكريم دار الفكر للدكتور) إلا أنَّ ظروفًا منعتني من اغتنامها.
وقد أكرمني الدكتور بزيارته لمدينتي حمص، وكان لي – وأصدقائي – شرف لقاءه.

ما فاجأني عندما رأيت الدكتور بدايةً، ثيابه!
الدكتور كان يرتدي بنطال الجينز وكنزة سبور ويحمل اللابتوب على كتفه!
لا أدري، لكن كانت لدي صورة ذهنية عن الكتّاب عامّة والمفكرين خاصّة، أنه لا يمكنك أن تراهم إلا باللباس الرسمي، صراحةً أعجبني منظر المفكّر الذي لا يمكنك أن تميزه إلا من كتاباته لا من ثيابه. وأعتقد بأن هذا نوع من التواضع الذي يتحلى به الدكتور، حقيقةً لا تصنّعًا.
أمرٌ آخر، الدكتور يتمتع بروح دعابة عالية، اللقاء لم يكن حوارًا جافًا، بل كان لقاءً ودّيًا تخلله المزاح بل والضحك الكامل في بعض الأحيان (حتى أن الدكتور غشي مرةً من الضحك).
لم أكن أظن بأن المفكّرين – والذين عقولهم تتسع لبلد كما نقول – يحبون المزاح بل ويمارسونه، لكنه أمرٌ راق لي شخصيًا وكان لي منه النصيب الأكبر!

ولكن لماذا الدكتور العمري رادم الأنفاق برأي؟
المؤسسة الدينية التقليدية بفكرها العتيق جعلت بناءنا المؤسس على الأركان الخمسة المعروفة مزعزعًا، وتركت فيه ثغورًأ أمكن للكثيرين أن يستغلوها عن طريق حفر أنفاق تحت هذا البناء العظيم – بناءنا استعدادًا لتقويضه (أو أمركته، لا فرق)
الكتاب الأول للدكتور العمري (البوصلة القرآنية) سدّ كثيرًا من هذه الأنفاق، لماذا؟
الكتاب عبارة عن نقد للتراث الإسلامي المتراكم عبر القرون، هذا التراث – وحسب البوصلة – حوى على أربع قيم أساسية للخطاب الإسلامي، هذه القيم أصحبت لصيقة بالدين تمامًا ويتعبرها الكثيرون دينهم الحقيقي، رغم أن القرآن الكريم جاء ليحارب هذه القيم الأربع ويؤسس ويوصّل لأربعة قيم أخرى بديلة كانت السبب الكامن وراء تمكّن العرب المسلمين الاوائل من تأسيس مشروعهم الحضاري العظيم في ذلك الوقت.
لذلك فإن كل الراغبين بالطعن بهذا الدين عن طريق الطعن بعناصر الخطاب الإسلامي الأربعة التي تبناها التراث (والفكر الشعبي السائد لاحقًا) والمناقضة لما جاء بالقرآن، عليه ان يدرك أن الخطأ في هذا الفهم التقليدي السائد للدين وليس في الدين نفسه.
الخطأ والعيب ليس بالنص القرآني أو النبوي، ولكن في الفهم التقليدي لهذا النص.
هذه الفكرة بصراحة قد تنقذ الكثيرين من محاربتهم للدين، لأنهم ضد الفهم السائد وليس ضد النص، هذا الكتاب – برأي – أغلق نفقًا هامًا للغاية يعمل به أخبث الطاعنين في الإسلام.

الكتاب الثاني للدكتور أحمد (الفردوس المستعار والفردوس المستعاد)، عرض فيه الدكتور لفكرة مهمة جدًا، وهي أن الثوابت التي قامت عليها الحضارة أو التجربة الأمريكية (والتي يراد اليوم تصديرها إلينا عبر نفق آخر) تناقض تمامًا الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام!
وبالتالي فأي محاولة للتوفيق التلفيقي لأمركة الإسلام هي محاولة محكوم عليها بالفشل مسبقًا.
يقول الكتاب بأنه لا مشكلة لدينا إذا كان الأمريكيون إختاروا هذه الطريقة في الحياة، لكن ليس من المنطقي أن يجبروا اﻵخرين على تطبيقها.
الكتاب يشكّل صفعة قوية جدًا لنا، نحن الذين خدعنا بالحلم اﻷمريكي وإمكانية أسلمته ببعض المظاهر هنا او هناك، ولا أظن أن كتابًا آخر أحدث لي صدمة كهذا الكتاب.
الكتاب أغلق نفق التغريب تمامًا أمام هؤلاء

الكتاب الثالث للدكتور بعنوان (كيمياء الصلاة)، الحديث هذه المرة هنا ليس عن احكام الصلاة الفقهية – والتي لا تتقن الؤسسة الدينية سواها – بل عن كيفية أن هذه الصلاة هي مصدر الطاقة المشع لحياة الإنسان اليومية. كيف أن هذه الصلاة التي هي عماد الدين هي عماد الشخصية، هي معولنا في هذه الحياة، وهي سبيلنا للإرتقاء الذاتي لنكون كما يريد الله منّا أن نكون.
الكتاب هو إثبات أن ما أصلح الجيل الأول يمكن أيضًا أن يصلح هذا الجيل – وكل جيل – عن طريق إستحضار معاني النهضة المبثوثة والمركوزة في أركان وهيئات الصلاة أصلًا إلى الوعي، خمس مرات باليوم، بفهم آخر، ووعي جديد.
الصلاة تتحول هنا إلى ما لايمكن الإستغناء عنه في حياة المؤمن، لأنها أصلًا من تعطيه الحياة، ويغلق النفق القائل بأن عصور الشعائر والطقوس الدينية الماضية السحيقة ولّى دون رجعة.

العنوان الثالث (ضوء في المجرة) وهي سلسلة دعوية من ستة عناوين تلامس النفس البشرية وتعقيداتها الداخلية، بعيدًا عن الأسلوب الوعظي، وهي تغطي مواضيع منوعة كمعركتنا مع الشيطان، وموضوع الزنا، وموضوع الدعوة ..
وجبة خفيفة تلامس القلب وتدعوه للتغيير بأسلوب راقٍ..

هذا بالإضافة إلى روايتي (ألواح ودسر) و (أبي اسمه إبراهيم)
حقًا الدكتور العمري رادم أنفاق، تمكنّ من إغلاق الطريق أمام المشاغبين على الإسلام.
شاركني رأيك بالنتاج الفكري للدكتور.

(هذا لا يتعارض أن يكون الدكتور صانعًا للأنفاق أيضًا!! لكنها أنفاق من نوع آخر تمامًا)