/ كتب قرأتها

البوصلة القرآنية .. بناءٌ للعقل القرآني ينسف المؤسسة الدينية2

نتابع ما بدأته في تدونية سابقة من الحديث عن كتاب (البوصلة القرآنية … إبحار مختلف بحثاً عن الخريطة المفقودة) .. للدكتور أحمد خيري العمري، مؤلف كتاب (الفردوس المستعار والفردوس المستعاد .. ثوابت وأركان من أجل خيار حضارة أخرى):
وكنا قد بأدنا بالحديث عن الخطوط العريضة التي عمل القرآن على غرسها في كيان المسلم، ثم جاءت المؤسسة الدينية [ بحسن نية في أغلب الأحوال ] لتحارب هذه القيم:

ثالثاً: الإيجابية (قيمة العمل والأمل):
قصة آخرى، من أول ما نزل من القرآن، وهي تعرض حديثاً عن نبي هو أول نبي تكلّم عنه القرآن:
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)
وهذا يعني أن محمد صلى الله عليه وسلم كان في هذه المرحلة بالذات، ولابد يعاني مما عاناه صاحب الحوت يونس (أو يونان بن متى)، فنزلت الآيات: اصبر .. وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ، الآيات التي تصوّر لحظة المواجهة مع الواقع والمجتمع ومفرداتهما، لكنها لحظة مواجهة تنتهي بالفرار من المواجهة ..

أمام معابد نينوى الشاهقة، وتماثيلها الهائلة الحجم، وثيرانها المجنحة، لا بد أن يونس وقف مذهولا حائراً مرتبكاً، وسؤال واحد يتردد في باله : ماذا بوسعه أن يفعل أمام كل ذلك؟ ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل؟ وإذا كان لا بد من إيصال الرسالة هل سيجدي الأمر شيئاً؟

سأل يونس هذه الأسئلة وكان كغيره من البشر معرضاً لليأس والإحباط، ذلك أن الأنبياء بشر بالرغم من أننا ننسى ذلك! وقاده إحباطه هذا إلى الهروب من المواجهة، فحدث ما حدث في عرض البحر، حتى التقمه الحوت .. وهنا رأى يونان بن متى القيم التي هرب من مواجهتها وتغييرها، أي مكان آخر غير بطن الحوت يتجسد فيه قيم الغابة المتوحشة: الكبير يأكل الصغير، هو إذا قد تعرض للظلم، وها هو أيضا في ظلمة بطن الحوت، ظلمة هذه القيم المتوحشة، ولكن في لحظة إشراق للعقل أدرك يونس أنه لا ظلم أكبر من أن يستسلم السردين البشري لحيتان الظلم والطغيان والخرافة والإستبداد دون أن يحاول تغيير هذا الواقع، وهنا ترائ له أن الضحية ظالمة أيضاً، ظالمةٌ بإستسلامها للجلاد، ظالمة لنفسها بإستمرارها دون تغيير، الظلم هو السلبية التي تشل الإرادة، وتعطل الأعصاب، الظلم هو أسئلة كهذه: ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل …

وكان الدعاء … أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
وليس التسبيح هو مجرد قول باللسان، كما تعودنا أن نتصور، بل هو رؤية كاملة تغيرت، فكرة جديدة نبتت، وعي جديد لمعنى الظلم والمسؤولية تجاهه، هذا الوعي والرؤية والفكرة هي التي أعطت يونس فرصة جديدة، والأهم من ذلك كله الإيمان الداخلي بإمكانية التغيير، الإيمان بجدوى العمل (أو بعبارة أخرى … الأمل) …

فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)
إنه اليقطين المثمر الذي انتصر على حوت الظلمة واليأس في نفس يونس، إنه بإختصار الإيحاء بأن التغيير ممكن وأن بإستطاعة رجل واحد أن يفعل الكثير، فقط إذا سمح لشجرة اليقطين أن تنبت في أعماقه : بالعمل والجهد المخلص والإيمان بجدوى العمل .. فكانت النتيجة { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } حيث صار بإمكانية رجل واحد الكثير الكثير ..

وبسبب تشابه الظروف فقد كان يمكن ان يتردد على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ذات السؤال، وترواده نفسه بالهروب من المواجهة لذا فقد قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح [ لا يقولن أحدكم إني خير من يونس ]، كان يمكن أن يحدث ذلك لكن تفاعله مع الوحي عصمه، هل من مشكلة في ذلك ؟ نعم .. ستجيب المؤسسة الدينية !!

في جزيرة العرب، كان هناك شيء ما، جعلهم يبقون على ما هم عليه من سلبية وكسل وتواكل رغم تحدي البيئة الذي كان من المفترض أن يحفز الإستجابة لبناء الحضارة (حسب نظرية توينبي في التحدية والإستجابة)، هذا الـ (شيء ما) هو احتقار العرب الشديد وانفتهم من كافة الأعمال اليدية وخاصة الزراعة وهي كراهية مستحكمة، كما أن الحرف الأخرى كالحدادة والنجارة والحياكة والصياغة والدباغة والبناء الخ كانت محتقرة هي الأخرى ولا يحترفها غير الرقيق ولا تليق بالحر ولم ينج من الإزدراء غير عملين : الرعي والتجارة.

ودون الحاجة إلى الخوض في التفاصيل فإن الرعي أصلا يبعث على الخمول والهدوء والدعة وحتى النوم، وأما التجارة فكانت هي تجارة ترانزيت، يلعب فيها العربي دور الوسيط أو السمسار، وهذا النوع من التجارة وان تطلب جهدا أكبر من الرعي إلا أنه عمل مفرغ من المعنى الإجتماعي للعمل … وكانت هذه هي المسألة .. كل هذا كرس السلبية والكسل في حياة العربي وكان ذلك هو (الشيء) في العرب .. ولكن كيف غيّر القرآن هذا الوضع؟
دعونا من الآن ننظر إلى الآيات التالية من وجهة نظر العربي الجاهلي التي يأنف ويكره ويحتقر العمل اليدوي .. أولاً هناك الحساب في يوم القيامة وهو مرتبط بـ “ماعملته الأيدي”:

إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ
وهكذا كان الخطاب القرآني يتفاعل مه المفاهيم، ويعمل على خلخة النسق الفكري، وإبراز قيمة العمل، تارة بالإشارة والتلميح وتارة بمنتهى القوة ..
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
(أفلح) وهو الفعل المرتبط بالزراعة والفلاحة بشكل عميق في وعي ولاوعي العربي الجاهلي، إنه الفعل والعمل الذي يأنف منه، ولكن من الآن فصاعداً فإن هذا الفعل ومشتقاته ستساق في معرض المديح .. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وستتالى الآيات … قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى … فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ … وغيرها الكثير … هذه الاستعمالات المتعددة للفظة الفلاح، والتي توحي بمعنى إيجابي في كل آية كان لها أثر كبير تدريجي في تغيير النظرة الإجتماعية لمهنة الفلاحة والعمل اليدوي بشكل عام ..

كل هذا بالإضافة إلى القطيعة التي عمل الخطاب القرأني على تأكيدها بين جيل المؤمنين الأبناء وجيل الآباء الكفّار ليؤكد على أن المرحلة القادمة هي مرحلة جديدة بالكامل معزولة تماما عن المرحلة السابقة … والشواهد كثيرة جداً أذكر منها … سُئل صلى الله عليه وسلم عن مصير والد أحدهم .. فأجب عليه أفضل الصلاة والسلام .. “إن أبي وأباك في النار” ولم يكن القصد من هذا الجواب الزج بفرد معين هو والد الرسول في نار جهنم بل الزج بالماضي كله، بالقيم السلبية كلها (والتي تحتقر العمل اليدوي) بزجها في مهاوي النسيان والقطيعة الأبدية ..

إنه التوحيد بإعتباره إنعتاقاً وتحرراً من إرث ثقيل وقيود عريقة عميقة الجذور في التكوين النفسي والإجتماعي العربي
وبعد ذلك كله يقترن الإيمان مع العمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً من القرآن.

وتأتي الضربة الكبرى التي وجهها الخطاب القرآني للإحتقار الجاهلي والمتوارث للعمل اليدوي والذي كرّس بدوره السلبية القاتلة …. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ … هذا يعني بإن الإله الذي يعلن منه الخطاب يعمل بيديه! إنها صدمة كبيرة جداً، فإذا كان الله في عليائه يعمل بيديه (منزها عن التشبيه) فلماذا نستنكف نحن من ذلك؟؟ هكذا قال العرب حينها …

ولو بحثنا عن الصبر لغوياً لوجدنا حفنة من المعاني تدور حول معنى (التحمل حتى الموت)، لكن الصبر كان مجسد ببيئة العربي بصورة أخرى عندما نزل القرآن يدعوه ليصبر : إنه نبتة الصبّار، القريبة إلى العربي والأقدم حتماً من كل المعاني المجردة الأخرى. الصبيرة، تلك النبتة التي تنمو في أقسى الظروف (أحلكها) ولكنها تنمو مع ذلك، تكافح رغماً عن كل ذلك، إنها نبتة كيّفت نفسها مع أقسى الظروف. وصممت على الحياة مهما كانت الصعوبات التي تحيطها. إنها نبتة الأمل – نبتة الإصرار على الحياة : نبتة الإصرار على الظروف. نبتة تقهر الموت المتمثل في كل تفصيل من تفاصيل البيئة حولها. وفي كل الأحوال فإن الألفاظ بدايةً كانت تخص الأشياء البيئية المادية، لا المعاني المجردة، ثم توسعت الألفاظ وتشعبت علاقتها لتربط الأشياء المادية بالمعاني المجردة، فالصبر المشتق من هذه النبتة القاسية هو صبر التحدي المنتصر. صبر استغلال أقصى ما في البيئة من ظروف من أجل التمسك بالحياة، الصبر هنا ليس التكيف مع واقع ميت، بل تحدي هذا الواقع وانتزاع الحياة من براثن الموت .. هذا هو الصبر المشتق معناه من تلك النبتة الصحراوية العنيدة، المتشبثة بالحياة

هناك أيضاً كلامً في منتهى الروعة عن ثلاثية يونس/هود/يوسف ..

بالتأكيد تم التعريج على موضوع القضاء والقدر والإرادة الفردية والمشيئة الإلهية، بنفي للجبر وتأصيل لمفهوم جديد للقدر ينطلق من أثر هذا المفهوم في دفع الجيل الأول من المسلمين إلى العمل وعمارة الأرض ..

رابعاً: الشمول (فقه المقاصد):
وهنا سنجد حديثاً مطولاً عن الوضع الجاهلي وتمزقه، وكيف صبغ التوحيد المجتمع بصبغة واحدة أزالت عن المجتمع الصفة العنكبوتية (الضعف والتمزق) ..
التأكيد على تطبيق فقه المقاصد، وهو الفقه الذي ينظر بشمولية إلى الواقع والنصوص، ولا يأخذ الأحكام من نصوص مجتزأة خارجة عن سياقاتها، وهو فقه يهتم بتطبيق الشريعة بفهمها وروحها ومقاصدها وغاياتها، ولس التركيز على أحكام الشريعة ووسائلها …

وتجدر الإشارة إلى فقه سيدنا عمر بن الخطاب، وهو من تجلى في عهده فقه المقاصد بأفضل صوره …

الإهتمام بالتفاصيل ينسينا المقاصد، كبني اسرائيل عندما اهتموا بتفاصيل البقرة التي أومروا بذبحها، وضاعت المقاصد عنهم بالتالي (هل نحن نفعل ذلك عندما نتشاجر على وضعيات تفصيلية في الصلاة !!!)

لقد كان تجميد الفقه المقاصدي واحداً من أكبر الخسائر التي مني بها الفكر والفقه الإسلاميان وبالتالي العقل المسلم

الخطوط العريضة التي تدور حولها أفكار الكتاب:
الخطاب القرآني يجعلنا نتأمل، نفكر ، نعي، ونغير، يفتح لنا عوالم جيددة لم نطأها من قبل، ويجعلنا نشارك في صنع العالم وتغييره، يجعل لصلاتنا معنى، ولزكاتنا معنى، ولصيامنا معنى، يجعل حياتنا كلها معاني متجددة ومتكاملة، إنه يمنحنا عقلاً يشكله حسب قواعده وأسسه، يمنحنا عيناً جديدة نبصر بها هذا الكون من جديد، يمنحنا بوصلة تحدد موقفنا وتميز اتجاهنا.
إنه خطاب يغرس روح التساؤل في عقول معتنقيه وكان هذا الدين هو الدين الوحيد الذي يقول نبيه دونما لف أو دوران نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إنه الخطاب الذي يحث معتنقيه على النظر في آيات الكون وتتابع العلاقات بينها والتبحر في عالم الأسباب والأخذ بها بل واتباعها، إنه الخطاب الذي شكّل صدمة كبيرة لكل مفاهيم الجاهلية التي كرّست الوضع الدوني المتأخر لمجتمع الجزيرة العربية ومحور هذه السلبية هو الإستسلام الجاهلي للقدر كيفما كان ومهما كان، وغرس مفهوما مختلفاً للتغير الإجتماعي يبدأ من الداخل، الخطاب القرآني هو مصدر للشمول والتوحد في مجتمع التكفف والانعزال وكان الحس المقاصدي الذي غرسه القرآن عالياً جدا في نفوس المسلمين الآوائل …

المؤسسة الدينية تقول بأن إبراهيم لم يتسائل ولم يشك (وحاشاه ذلك!!) والسؤال بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، المؤسسة تقول بأنه ليس ثمة أسباب ولامسببات وكل الأمور تجري على عاداتها فحسب، تتابع الأمور حسب العادة دون أن يكون شيء سبباً لآخر، المؤسسة اعادت مفردات الجاهلية السلبية ولكن هذه المرة بقناع إسلامي، فلا يزال الفرد المسلم عندما يخطئ ويؤخر التوبة يتعلل بالقدر وأن هداية الله لم تأتيه بعد، المؤسسة نفت الأهداف والمقاصد من وراء العبادات وقطعت النظر عن الإلتفات إلى المقاصد، لقد سيطرت المؤسسة بكتبها وملجداتها وعراقتها على الأنماط فجلعتها جامدة تمنعنا من التساؤل والتفكير واستنباط المعاني، هو إذاً موت للعقل، وعدسات لاصقة تنتمي لعصور سابقة تحجم رؤيتنا وتقصرها على الرؤية بعيون ميتة…

إن الخيار بين هذا وذاك، يكون عبر إعادة النظر وإعادة التقييم من أجل إعادة البناء على أسس الورق الأول، خيارنا الأكيد والوحيد

الباب الثاني:
وهو يأصل لفكرة (لحظة معاوية) وهي اللحظة التي تم بها قتل الخطوط الأربعة التي تحدثنا عنها وإحلال القيم المضادة لها في الفكر الإسلامي …
الحديث عن هذه اللحظة التي مازالت مستمرة يطول ويطول ولا مكان لاختصار أو عرض، فأحيلكم إلى هذا الكتاب المدهش … وكلي أمل أن تقرأوه والسلام عليكم