/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - الفنّ

واحدة من أكثر السياقات إحراجًا للمؤسسة الدينيّة حتى بين صفوف معتدليها هو سياق الفنّ، فبينما يعتبر الفنّ واحدًا من حاجات الإنسان الأساسيّة كالطعام والشراب، تمتلئ الكتب الفقهيّة بأحاديث تحرّم مجالات فنيّة واسعة، بدءًا من النحت والتصوير، مرورًا بالرسم، وإنتهاءًا بالغناء والموسيقى، وتتنوع هذه الأحاديث بين صحيحة (مذكورة في البخاري ومسلم)، وما دون ذلك، ورغم ما يقال عن جماليّة الخطاب القرآنيّ، وعن نمو فنون تميّزت بها الحضارة الإسلاميّة (كالزخارف والنقوش والخطوط)، فإنّ هذا لا يغيّر شيئًا من النظرة غير المتصالحة مع الفنّ وأهله، وكثيرةٌ هي القصص عن أصحاب مواهب فنيّة، تخلوا عن موهبتهم عقب تدينهم، لإعتقادهم أنّ التدين المكتمل يتعارض مع هذه المواهب، كما خسر الإلتزام (في المقابل) كثيرًا من أبنائه وجدوا في أنفسهم موهبة فنيّة فريدة، جوبهت بتيّار يرى حرمة معظم ألوان الفنّ، وتحت الضغط، لم يكن من سبيل إلّا للتمسّك بالموهبة الفنيّة، ووسم الذات بأنها “غير محافظة”، رغم الإنعكاس اللاحق والتدريجي لهذه النظرة على مناحي أخرى.

ورغم الخطوات الواسعة التي اتخذها رموز ومفكّرو التيار المعتدل أو الوسطيّ في هذه القضيّة، إلّا أنها لا ترقى لمستوى “التغيير الجذريّ المطلوب”، ويعطي كتاب (الإسلام والفنّ) للدكتور يوسف القرضاويّ مؤشرًا على هذا التقدّم غير الجذريّ في تناول المسألة، إذ يميل الدكتور  إلى تحريم النحت والصور المجسّمة، والصور غير المجسّمة إن عُظّم أصحابها، ثم يكرّه الصور غير المجسمة التي تزيّن بها الجدران، ويبيح كلّ الأنواع الأخرى (!) ما لم تشغل عن ذكر الله وطاعته (معيار المؤسّسة الدينيّة الأكثر رواجًا)، ويستثنى من المجسّمات ألعاب الأطفال ونحوها.

ورغم أنّ موقف القرضاوي يشكّل سابقة في تاريخ المؤسسة، إلّا أنه يمكن ملاحظة أنّ تيّار الحياة أقوى من هذه المواقف الجديدة (فضلًا عن الآراء التقليديّة القديمة) وأنّه قد تجاوزها إلى غير رجعة، فحركة الفنّ العربيّ في نمو وتصاعد (وإن ببطء شديد)، لكنّ هذا لا يغيّر شيئًا من الحقيقة المرّة للأسف: النظرة غير المتصالحة مع الفنّ عند قطاعات واسعة، الشعور بالتناقض والازدواجيّة عند التعاطي معه .. شيء ما غير مريح، غير متصالح عمومًا يسكن وجداننا الجمعيّ تجاه الفنّ.

فهل يتعارض الدين مع الفنّ؟ وهل سنقع في مأزق تعارض العقل مع النقل أيضًا؟ (إذ توكّد دراسات علميّة رصينة الأثر الإيجابي للموسيقى على الإنسان، ذهنه، عمله، ونفسيته).

السؤال الجوهريّ هنا: إذا كانت ألوان الفنون بالحرمة المطلقة والشديدة التي تذكرها بعض أحاديث البخاري فلم لم يشر لها القرآن الكريم أيّة إشارة على الإطلاق؟
هذا السؤال لا معنىً له في عقل يساوي بين القرآن والسنّة، ويعطيهما الدور نفسه، لكنّه بالتأكيد ليس عقليّ، الذي يبني نظرته للحياة، الكون، النفس داخل المنظومة القرآنيّة أولًا (عبر قراءة شاملة لكلّ ماجاء فيها عن موضوع البحث)، ووفق هذا العقل القرآنيّ أنطلق في فهم نصوص السنّة، وأحداث التاريخ، والنظريات العلميّة وكلّ شيء آخر، فالكتاب عندي قاضٍ على السنّة (لا العكس حسبما يقرّر البعض)، بعبارة أخرى يعطي الخطاب القرآنيّ المقاصد والقواعد والرؤية الشموليّة التي تَلزم العقل في عمله المعياري التقييمي (التي تحدّثنا عنها عند حديثنا عن العقل)، وهذا يعني أنّ هذه الرؤية القرآنيّة هي رؤية مطلقة، تاريخيّة، أما تطبيقاتها المختلفة فهي ليست تاريخيّة، وتشكّل السنّة النبويّة واحدة من هذه التطبيقات القابلة للتنوّع والاختلاف، فهي تنزيل للرؤية القرآنيّة على مجتمع خاصّ، له ظروف وأعراف وأحكام خاصّة، خلال فترة زمنيّة لها ما لها، وعليها ما عليها.
ولذلك كان الرسول نفسه يغيّر من الأحكام المطبّقة تبعًا للمصلحة (التي تنتج من تفاعل القواعد القرآنيّة، مع ظروف المجتمع، البيئة، الزمن الخ)، كحديثه عليه الصلاة والسلام ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، ألا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ) وقوله لعائشة (يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم).

من هنا فإنّ عدم تناول الخطاب القرآنيّ بالتحريم لأيٍّ من ألوان الفنّ يعني بإباحتها على الإطلاق (فالأصل بالأشياء الإباحة) خاصّة أنّ الفنّ من القضايا التي “يعمّ بها البلاء” حسب التعبير الفقهيّ التقليديّ، فكان من الجدير ذكر إشارة لها لو أنّها على درجة من الخطورة المطلقة التي قد توحي بها نصوص نبويّة.
هذا الأصّل، ثم لكلّ مجتمع، ولكل بيئة، ولكل ثقافة، ولكل عصر، أن يوجد تطبيقه المناسب من هذه القاعدة، ففي العهد الإسلاميّ الأوّل، حيث المسلمون حديثو عهدٍ بشرك، ووثنيّة وتماثيل تعبد من دون الله، كان الأصلح هو إغلاق باب النحت والرسم، وإلّا لوجدنا اليوم تماثيل الرسول عليه الصلاة والسلام وكبار الصحابة تعبد من دون الله (الشرك دخل فعلًا عند غلاة الصوفيّة بدون تماثيل، كالتشفع والتبرك بالقبور وغيرها، فكيف مع تماثيل)، وفي مجتمع لم تكن الموسيقى فيه تعزف خارج حوانيت الخمر ودور الزنا، كان شمولها بالتحريم سلخًا للمجتمع عن هذه الأجواء كلّها (لاحقًا وفي العهد النبويّ المتأخر سنقرأ أحاديث لجواري تعزف وتدق، ويستحسن رسول الله أدائها).
وهكذا.. فهل يمكن لمن يقول بإباحة النحت، أن يجيز نحت تمثال يعبد مع الله، أو لمن يقول بإباحة الرسم فهل يجيز رسم نساءٍ عاريات، لكن التحريم هنا لا علاقة له بالفنّ من حيث هو فنّ، بل بما يرتبط به.

هكذا وبضربة واحدة، الفنّ من حيث هو فنّ، لا يتعارض مع الدين، ولا مع الإيمان، وليس محرمًا، هذا الأصل، والتطبيقات قد تتعدّد وتتنوّع كما ذكرت.
والآن لنخطو خطوةً أوسع..

فكما أنّ الفنّ يشكّل حاجة أصيلة عند الإنسان، فإنّه ينمّي فيه الذائقة الجماليّة، التي لن تكتمل إنسانيّة الإنسان إلّا بها، وحقيقةً فنحن نفتقر كشعوب عربيّة إلى تربيّة فنيّة – جماليّة، تحيي فينا مكامن الإنسانيّة، وتخلق لنا فضاءات أوسع في إدراك السموّ الإنسانيّ، وتفتح الباب أمام تذوقات روحيّة جديدة، تغني الحياة الجوانيّة للمرء، وتطلقه من إساره الجسديّ المحدود.. وأظنّ الرابطة وثيقة بين إنغلاقنا الدينيّ والطائفيّ والمذهبيّ والحزبي المتزايد وغياب التوجه الإنسانيّ، وبين غياب أي تربية فنيّة جماليّة في مجتمعاتنا.

وقديمًا ربط الفلاسفة بين قيمتي الخير والجمال، فعندما يرى الإنسان الفعل جميلًا يفعله، ومن هنا كان الذوق الجماليّ عصمةً من الرزايا (التي تسمحى قاذورات أو قبائح في بعض الأدبيات الإسلاميّة)، وتروي بعض القصص عن تنمية الحس الجمالي في أحد السجون الإيرانيّة عن طريق صناعة وحياكة السجاد العجمي، وكيف انعكس ذلك على استصلاح المساجين.

لقد حرمنا أنفسنا من الفنّ، لعهدٍ طويل مضى، وحان وقت التصالح معه، كحاجة إنسانيّة أصيلة، لن تكتمل إنسانيتنا إلّا بها… فالنتصالح مع ذواتنا.