/ كتب قرأتها

هي هكذا ....

قرأتُ مؤخرًا كتاب “هي هكذا .. كيف نفهم الأشياء من حولنا” للمفكر الإسلامي المبدع الدكتور عبد الكريم بكّار، الكتاب يبحث في ثلاثين سُنّة إلهية في الأنفس والمجتمعات، ويسلط الضوء عليها، ويبحث في كيفية الإستفادة منها، وكيف لنا ان نرتقي بفهمها وتسخيرها ..
أضاف لي الكتاب أبعادًا جديدة، وفهمًا أعمق للكثير من الأشياء من حولي، أنصحكم بإقتناء الكتاب، وقد قررت أن أتبعه بكتاب “خمسون شمعة لإضاءة دروبكم” ..
أود أن أشارككم بعض الأفكار التي استوقفتني على شكل حلقات متتابعة (ثلاث حلقات على أغلب تقدير إن شاء الله)
أشدد – مجددًا – على أهمية قراءة الكتاب أو حتى ملخصه هذا:

الفكر عبارة عن مفاهيم ورؤى ومنهجيات يمتلكها ويبدعها المفكر، ويجعل منها وحدة متماسكة، وهو من خلال تلك الوحدة يرى العالم ويفسّر أحداثه، ويكشف التداعيات المنطقية للأشياء، كما أنه من خلالها يطرح الحلول، ويحكم على الطروحات المنافسة. والعمل الجوهري للمفكر هو صناعة المفاهيم؛ ولذا علينا ألا نستغرب إذا رأينا المفكر يجادل في مسائل سياسية واجتماعية واقتصادية وتاريخية وحضارية؛ لأن من طبيعة الفكر تمكين صاحبه من إعمال منهجيته في معظم – ان لم نقل كل – القضايا التي تطرح أمامه.

إن المعروض من المال سيظل أقل من المطلوب، وهناك دراسات تدل على أنه كلما انخفض المستوى التعليمي لدى الشخص فإن إقباله على الإستهلاك يصبح أشد، وربما كان ذلك من باب التعويض عن الجدب الروحي والفكري الذي يعاني منه.

الإنسان كائن مستهلك، لكن الذي لا يعرفه كثيرون هو أن الإنسان يستهلك إلى جانب الماديات: الأفكار والأساليب والنظم والأشكال والكلمات ..

كثيرٌ من الوعاظ والمتحدثين واهل الخير والغيرة يكررون على مسامع الناس عبارات عظيمة مثل (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به اولها) و (علينا أن نعود إلى الله) وعبارات كثيرة جدًا من هذا النوع، وهذا الكلام كله – بشكل عام – صحيح لكن الناس مرَّ عليهم قرون عديدة وهم يسمعون هذه العبارات وغيرها، ولم يشعروا أنها أفادتهم في التخلص من الإنحرافات والمشكلات التي عانوا منها طويلًا، ولهذا فإنهم لم يعودوا يعلقون عليها اي أمل، ولم تعد تثير حماستهم للعمل، وصاروا يتطلعون إلى الكيفية التي تتمكن بها قيم الإسلام، ونظمه من تحضير الامة والإرتقاءبها، أي إن تكرار تلك العبارات أوجد نوعًا من التشبع بها والذي يولّد العزوف عن التفاعل معها في نهاية المطاف.
علينا ان ننظر إلى الأفكار على أنها أشبه بدرجات السلم، فنحن نرتقي عليها، ونصعد نحو الأعلى، أي نستفيد منها، لكننا لا نحملها معًا إلى السطح، إننا نتركها في مكانها ونصبح أعلى منها، وهكذا ما هو سائد اليوم من أفكار … مهمته أن يدفعنا إلى الأمام، ولكنه وهو يدفعنا يستنفد طاقته الذاتية، وعلينا ان نبحث عن شيء جديد من كل ذلك حتى نحصل على إندفاعات وانطلاقات متجددة.
لذا فإن استهلاك الناس للأفكار يشكّل مأزقًا لكل أولئك الذين يبغون التأثير في غيرهم (مفكرين، دعاة، مثقفين…) إن عليهم أن يقدموا شيئًا يتجاوز خبرات الناس ومؤلفاتهم وهذا يتطلب منهم درجة عالية من الدأب على التعلم والبحث والإبداع.

الإختيار ينطوي دائمًا على مخاطر الإنقسام: حيث إن ممارسة الإختيار والتماسك شيئًا من التضاد، وهذا ما يجعل الدعاة في الساحة الواحدة يظهرون بمظهر المنقسمين على أنفسهم بل بمظهر المتنافسين في بعض الأحيان. وهذا شيء لا مناص منه ولا يمكن الفكاك من كل تداعياته، وإنما يمكن تلطيف آثاره.

الحرية هي القدرة على الاختيار، ولا يمكن للاختيار أن يكون حقيقة واقعة إلا إذا كان هناك خيارات، وحين نربي أبناءنا على الحرية في التعبير واختيار ملابسهم وحوائجهم .. فإن الأسرة تبدو في عين المراقب وكأنها مفككة وغير مهذبة بالقدر الكافي، وهذا ليس بعيدًا عن الواقع في بعض الأحيان، حيث لا يعرف الأطفال الحدود الفاصلة بين حرية الذات واحترام الأبوين، والحدود الفاصلة بين ماهو من حقوقهم وما ليس منها.
وتظهر الأسرة التي يمارس الأبوان فيها تربية صارمة بمظهر لائق، وتبدو أشد تماسكًا وانسجامًا، وقل مثل هذا في الدول والمدارس والجماعات … وهذا شيء طبيعي حيث إن الحرية تتصل بالحداثة واللذة والتجريب والعشوائية، ام الاستبداد فإنه متصل بالانسجام والاتساق والتزام الحدود، لكن من الماحظ أن التماسك الموجود لدى الحكومات والأسر المستبدة هو تماسك ظاهري ومؤقت، ويشتمل على عوامل إنقسامه بشكل نهائي، وعلى العكس من هذا فإن الأطر التي تأخذ بالشورى فإنها تبدو متصدعة وهشة، ولكنها تخفي تحت ذلك التصدع وحدة عميقة وصلابة عظيمة، بسبب الحرية والكرامة التي يشهر بها الأفراد.
المقصد أنه لا يمكننا أن ننمي لدى الناس الشعور بالحرية والكرامة دون ان نواجه مخاطر الإنقسام السطحي أو العميق.

لدى كل فرد منّا وازع داخلي،** هذا الوازع يقوى ويرتقي وينمو كلما أصغينا إليه واستجبنا لمبادراته وتحذيراته**، لأننا بذلك نفسح المجال له في حركتنا اليومية، وهو يتنفس من ذلك المجال وينتعش … إننا حين نهمش ضمائرنا ندفع بها في طريق الإضمحلال، وبذلك نخسرها ونخسر الفوائد الجمة التي تعود علينا من وراء وجودها، ولا سيما أننا نعيش في زمان تتراجع فيه الرقابة الاجتماعية، وتزيد فيه إمكانية الغش والاحتيال والخداع والانحراف.

أناقة الروح ورفاهيتها تتمثل في تلك المشاعر النبيلة والدافئة التي تغمرنا حين نتجاوز في أعمالنا مرحلة الواجب إلى** مرحلة التطوع والتنفل والتضحية والعطاء المجاني.**