/ كتب قرأتها

هي هكذا .. كيف نفهم الأشياء من حولنا؟

عرضتُ في التدوينة الماضية لبعض السنن في فهم الأنفس والمجتمعات الواردة في كتاب الدكتور عبد الكريم بكّار هي هكذا، فالنكمل معًا:

إن الله جعل في كل ظاهرة عناصر داخلية تشكّل ذاتيته، وتمنحه قوامه، وجعل بيئة خارجية تؤثّر سلبًا أو إيجابًا،** وقد قضت حكمة الله أن يظل التأثير الأساسي للعناصر والعوامل الداخلية، وأن يظل تأثير العوامل الخارجية هامشيًا ومحدودًا ما لم يتمكن العامل الخارجي من تحويل نفسه إلى عامل داخلي**، والله تعالى يقول في هذا الشأن {وإن تصبروا وتتقوا لا يضرّكم كيدهم شيئًا} {أولمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم}.

وكفهم لهذه السنة : فإن ضعفنا هو السبب في التآمر علينا، وليس التآمر علينا هو السبب في انحطاطنا وتخلفنا. ولا شك بعد هذا أن الغرب يستثمر قوته لنكون أضعف. إن الأعداء يطرقون الأبواب لكنهم لا يدخلون إلا إذا فتحنا لهم.

** فهم الماضي شرط لفهم الحاضر**، وانطلاقًا من هذا فإن الأمم المتقدمة تهتم بتاريخ العلوم وتراجم الرجال العظام الذين كان لهم أثر بالغ في تطورها، أنا شخصيًا – يقول الدكتور – حين أقرأ في علم أعرف تاريخه على نحوٍ حسن أشعر وكأنني أتحرك في غرفة مضيئة على نحوٍ ممتاز، وحين لا يتوفر لي ذلك أشعر وكأنني أتحرك في غرفة مظلمة.

وهذا يتطلب منّا أن نجعل في بداية كل علمٍ نقرره في المدارس والجامعات مقدمة نشرح فيها تاريخ ذلك العلم والأطوار التي مرّ بها.

لكل مجال طبيعته الخاصة، ففي المجال الفكري – مثلًا – العمل الأساسي للمفكّر هو صناعة الأفكار وإنتاج المفاهيم الجديدة، فمن طبائع المجال الفكري:

1- كثيرًا ما يبدي المفكّر لمن يتابع طروحاته نوعًا من الوثوقية الزائدة، حيث إن من طبيعة العمل في إنتاج المفاهيم أن يمنح صاحبه شيئًا من الزهو والاعتداد بالنفس، وهذا يعني أن على المفكّر أن يتواضع ويتهم نفسه.
2- يظهر المفكّر احيانًا وكأنه من مثيري الجدل والشغب الثقافي، وذلك لأن من طبيعة عمله القيام بإلقاء الحجارة في المياه الراكدة وحفز الناس على إعادة التفكير في مسائل يظنون أنهم قد فرغوا منها.
3-** ليس من المستغرب أن يعاني من يتحرك في المجال الفكري من شيء من الجفاف الروحي والجمود العاطفي** في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، وذلك لان المفكرين يحاولون أن يكونوا موضوعيين على قدر الإمكان، كما أنهم يمارسون التعليل والتحليل بكثرة، مما يجعل فهمهم للأشياء يبدو وكأنه مادي. وبعض المفكرين يتمادى في ربط الأسباب بالمسببات، فيغيب عن طرحه بعض المعاني الإسلامية مثل التوكل والتوفيق ومثل تأثير المعاصي في تدهور الأوضاع والمشروعات. ولذا فإن على المفكّر المسلم ان يعمّق المعاني الإيمانية في نفسه، وأن يعيد شحن طاقته الروحية باستمرار.

** أنت لا تستطيع أن تجمع بين كل الخيارات**، فمثلًا نحن لا نستطيع أن نهاجم الأعداء ونبرز مثالبهم وسلبياتهم، ونقوم بتشويه صورتهم أمام جماهيرنا، ثم نستفيد منهم، أو نفهمهم على حقيقتهم، لأننا نحاول الجمع بين خيارين لا يمكن الجمع بينهما. إننا حين نشوه سمعة العدو، وننظر إلى ذلك على أنه أداة لتعزيز ثقة جماهيرنا بأنفسها، فإننا نوجد حواجز نفسية تحول دون التفاعل مع فضائل العدو، ونلقي على الأعين غشاءً يحول دون رؤيتها، والخيار الصحيح هو أن نقف موقفًا عادلًا، نذكر ما لهم وما عليهم.

المكان يصنع المشاعر، فنحن نُشكّل مساكننا، ثم تشكّلنا مساكننا، كما قال تشرشل.

وتدل الدراسات على أن الناس حين يكونون في مكان واسع وانيق ومنظم وهادئ يتبادلون بينهم مشاعر جميلة، مشاعر مشحونة بالغبطة والامتنان واللطف، فترى السلام الحار والعناق، وتسمع الكلام اللطيف المعبّر عن السرور والهناء، والعكس بالعكس.
وحين يزدحم الناس في مكان، فإن إحتمال احتكاك أجسادهم ببعضها يصبح أكبر، وهذا يثير لديهم مشاعر الضيق، وأحيانًا التوجس والعدوانية، كما أن الزحام يجعل الناس يشمون بقوة روائج الأجساد المزدحمة وهذا كثيرًا ما يثير النفور وعدم الإرتياح.
علينا أن لا نسرف في تكديس الأشياء في بيوتنا، لأنها حين تكثر توجد لها مجالًا حيويًا في عقولنا ونفوسنا، وتضغط بالتالي على أرواحنا، وسنكون من اهل الحكمة إذا عملنا بالمقولة التالية (استغناؤك عن الشيء، خير من استغنائك به).

سوف أكتفي بهذا القدر من الإقتباس، أذكّر بأن هذه هي الطبعة الاولى من الكتاب، طبعة عام 2010، وهي صادرة عن داري : وحي القلم، والمعراج، والكتاب متوفر في المكتبات السورية.
وأما من داخل المملكة العربية السعودية فيطلب من مؤسسة الإسلام اليوم – الرياض.