/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - الجسد

قد يبدو الحديث عن تصحيح النظرة الدينيّة لعقل الإنسان وجيهًا، في عصر يتفاخر بأنّه عصر العلم والمعرفة، وكذلك الحديث عن التصالح مع الفنّ، في وقتٍ باتت فيه أشكال الفنون جزءًا من حياة الإنسان اليوميّة.
لكن ماذا عن “الجسد” الإنسانيّ،  مالذي يخبروننا حياله؟ وهل هناك مشكلة في ذلك؟

تقول لك المؤسسة الدينيّة، بأنّ “أوّلك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت بين هذا وذلك تحمل العذرة”
بحسن نيّة، يقصد بهذا الكلام أن لا يتكبّر الإنسان وأن لا يسيطر الغرور عليه في نظرته للآخرين، وعلاقته معهم، لكنّ “الكبر” ليس الحالة الإفتراضيّة للإنسان بحيث نعامله على هذا الأساس، هذه واحدة، والأهم بأنّ علاج التكبّر والغرور لا يكون بمثل هذه الطريقة التي تحقّر رؤية الإنسان لنفسه بطريقة بشعة للغاية، ردّ هذه النظرة وتسفيهها لا يحتاجُ إلى نصٍ ديني، بل يحتاج إلى فطرة إنسانيّة، وقلب سليم، يشمئز من مستوى هذا الخطاب.

يقولون في دروسهم ووعظياتهم: “إنت عم تتكبر ونسيان انك جاي من هداك الصوب!”
«الصوب» المقصود هنا، هو فرج المرأة، لكن الترفع عن ذكره أحيانًا هو من باب “الأدب”، “ومراعاة الشعور العام”، شيء له علاقة بالعيب والعار المرتبط وجدانيًا مع فرج المرأة.
في المسجد، في البيت خصوصًا، في الدروس الدينيّة على الفضائيات، هنا وهناك، يوجد شيءٌ من هذا الترفع عن تناول مثل هذه المواضيع بأريحية، إضافةً إلى نظرة تحقّر بعض أجزاء الجسد الإنسانيّ.

ربّما يكون الخطاب القرآنيّ هو النصّ المقدّس الوحيد، الذي يتحدث بأريحيّة عن حياة الإنسان الخاصّة، واللقاء الزوجي، وقدسيّة فرج المرأة!
وهذا التناول يتناغم مع كون هذه الأمور طبيعيّة جدًا، وتشكّل جزءًا حميمًا للغاية من التجربة الإنسانيّة.
يقول تعالى {ومريم ابنت عمران، التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا، وصدّقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين}.
ظاهر اللغة، بأنّ الفرج هو الجارحة إياها، عضو التناسل الأنثويّ. لكن الرجوع إلى التفاسير المشهورة يعطينا مؤشرًا عن تغيّر حاصل في النظرة الدينيّة، ففي حين يرجّح الطبريّ (ت310) في موطنين أن المقصود بإحصان الفرج: الجارحة ، ينقل في الموطن الثالث، وهو الآية السابقة، اختلافات المفسّرين، فيقول: “واختلف في الفرج الذي عنى الله جلّ ثناؤه أنها أحصنته ، فقال بعضهم: عنى بذلك فرج نفسها أنها حفظته من الفاحشة. وقال آخرون: عنى بذلك جيب درعها” أي ثوبها، في المقابل لن نجد في باقي التفاسير المتأخرة (عند القرطبي مثلًا، ت671، أو ابن كثير ت774) سوى قولًا واحدًا: أن الفرج هو جيب الدرع بلا شك.

الذي يهمّ أكثر من هذا الاختلاف (المعبّر عن تغيّر طريقة النظر)، هو الآية نفسها، هو تكريم فرج المرأة، في جعله الموضع الذي تنفخ فيه روح الإنسان (أقدس ما فيه)، هذا التكريم للفرج، لا يتوقّف على مريم بنت عمران، ففي الحديث الصحيح، أنّ الله يبعث لكل أنثى ملكًا ينفخ الروح في جسد جنينها، هذا التكريم لفرج المرأة يختلف بشكّل كليّ عن اتخاذه موضعًا للشتم، في سياقٍ يَعتبر مجرّد ذكر اسم الفرج إهانةً للمرء وشرفه.


هناك أمر آخر يقتضي التنبيه، وهو قوله تعالى {ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين}، أو قوله {ألم نخلقكم من ماءٍ مهين}
قد يكون المعنى المتبادر للأذهان (والذي تستخدمه السياقات الدينيّة لترسيخ النظرة التحقيريّة للإنسان): ماء ذليل / حقير.
ولحسم الأمر بسرعة، فالمهين في اللغة (حسب لسان العرب) هو القليل، أو الضعيف، ويقال رأيّ مهين أي قليل الشأن، أو ضعيف الحجّة.
وهذا هو المعنى المتناغم مع الحقيقة العلميّة، من كون خلق الإنسان ينشأ من نطفة واحدة (معنى القلّة)، تموت وتفقد خواصها في حال تعرضها للظروف الخارجيّة (معنى الضعف).
وهذا ما أثبته صاحب التحرير والتنوير، المتميز بتمكّنه اللغويّ: “والماء : هو ماء الرجل . والمهين : الضعيف فعيل من مهن ، إذا ضعف ، وميمه أصلية وليس هو من مادة هان”


وفي سياقات أخرى تستشهد المنابر ودروس المساجد بأقول تنسبها لمجهولين من جيل المسلمين الأوائل، من أنهم ما لمسوا أعضائهم الذكريّة منذ أن بايعوا رسول الله.
وبغض النظر عن كون هذا الكلام بلا أسانيد، فإّنه ينجح في حمل نظرة مضمّنة تتبنى تحقير الأعضاء التناسليّة، وعدّها شيئًا مهينًا، حقيرًا.. ولا أدري كيف يستطيع هؤلاء أن يستنجوا عقب قضاء حاجاتهم، أو كيف يمكنهم ممارسة الجنس، او حتى تطبيق السنّة النبويّة في حلق شعر العانة.


الأمر الأخطر ربّما، والأكثر ضمنيةً هو السياق الذي قد يقدّم به الحجاب أحيانًا إذ يجري الحديث عن جسد المرأة بإعتباره “عورة” مع تحميل كلمة عورة، معاني مرتبطة بالمعصية، الخطيئة، الشهوات المجنونة، الإثم، الزنا، الإنحلال، وأنّ الحجاب هو “السترة” لهذه “العورة” بمعنى أنّه إصلاح الخلل، أو التستر على العيب، أو تغطية الخطيئة.
وهذه بالتأكيد سياقات لا تمت للفهم القرآنيّ بصلة، الذي شرع الحجاب احترامًا لجسد المرأة من أن يمتهن في الأسواق والشوارع ويستخدم لترويج البضائع. نعم القرآن شرع الحجاب تقديرًا لجسدها الذي تم تشييئه اليوم وتسليعه واستخدامه لبيع الجرابات وعلب الشامبو!
الحجاب يسهّل انخراط المرأة في المجتمع، ويزيل عراقيل ذلك، عبر تحييد الجانب الأنثوي الذي قد يشوش ويدخل كعامل وحيد في التنافس والتفاعل البشري، إنه يحافظ على “إنسانيّة التواصل” بمنأى عن مضاعفات الجانب “الأنثوي” في جسد المرأة.
هذا هو السياق الذي قدّم فيه القرآن الحجاب {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}، أن يعرفن بالعفة والمحافظة فلا يتعرضن لأذى من الباحثين عن لقاء عابر، وأداة تفريغ، إنه تقدير وإحترام للمرأة وجسدها، لا تغطية لشر وبيل.


ذكر الفرج، والماء، والجسد، سيقودنا حتمًا إلى سياق أكثر أهميّة هو الجنس، والذي يتم التعامل معه مجتمعيًا كشيء معيب، نرتبك عند ذكره، نتوجس منه خيفة.
ففي التراث الديني أشياء عجيبة، فعند الحنابلة على سبيل المثال يكره التجرد من الثياب وعدم الاستتار حال الجماع (!!)، كما تعتبر المعاشرة الزوجيّة تخلصًا من “الفضلات”، إذ المنيّ عندهم يدخل في الفضلات، إلى آخر ما تجود فيه قريحة الفقهاء.

بينما جاء تناول الخطاب القرآني للجنس مختلف بشكل جذريّ.
فالزوجة والسكن إليها والتمتع بها من الآيات الدالة على الله سبحانه وتعالى {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
هذا التمازج الرائع بين الجنس والإيمان بالله تعالى اتخذ شكلًا أكثر صراحًا في قوله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، فها هو الخطاب يرغّب بالتمتع الجنسي الكامل (أنّى شئتم)، مع التأكيد على أن تكون العلاقة ضمن إطار إنسانيّ أوسع بكثير من إطار قضاء الشهوة (التقديم للنفس)، ومع تجنب ما حرّم الله، وهو الإتيان بالدبر (تقوى الله) ، تتوج العلاقة الجنسيّة لتكون آية من آيات الله، ومقاربةً له سبحانه – مقاربة معنويّة (واعملوا أنكم ملاقوه)، وهذا من أعجب وأرقى الخطابات المقدّسة في تناولها للقاء الزوجيّ الخاص، الذي يجعل من الحب ومشاعره القدسيّة مقاربةً معنوية لله.
[تتخذ المقاربة المعنويّة لله دومًا هذا البعد الإنسانيّ الراقي، رغم غيابه في وجدان المسلمين بتصورهم اقتصار الأمر على الشعائر، فأمة الخير (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس) هي أمّة المعنى، (ما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) هنا أيضًا التركيز على المعنى.
وفي الحديث القدسي مرضت عبدي فلم تعدني، قال كيف أعودك وأنت ربّ العالمين، قال علمتَ أن عبدي مريض، فلو عدته لوجدتني عنده، فهذه مقاربة معنويّة لله تبارك وتعالى عن طريق الرحمة
الحب، الخير، الرحمة، ثلاثة من أهم المقاربات الإنسانيّة لله].

وكالعادة تأتي المؤسسة الدينيّة كمحامي فاشل لقضية ناجحة، تريد معالجة مظاهر الانحلال الأخلاقيّ في المجتمع، وتزايد حالات الاعتداء والزنا، فمالذي تقدّمه؟
لا شيء جديد، الأساليب العقيمة ذاتها: فتاوى التحريم، مع باقة من النصائح، تدور حول الاكثار من ذكر الله، الوضوء، لعب الرياضة، الانشغال بالطاعات (الصوم بالتأكيد) والنشاطات وبالتأكيد تحريم العادة السريّة (!!) هذا كلّ مافي الموضوع [أحيانًا لا يخلوا الأمر من “اشارة” للزواج، لكنها تبقى إشارة، وواقع المجتمعات يشي بعجز المشايخ عن تغيير شيء في هذا الباب]
ويتجه بعض الشباب المساكين المقتنعين بخطاب المؤسسة إلى باقة حلولها، وإذا بها لا تجدي، فيظنون المشكلة بهم، ويدخلون في صراع نفسي رهيب، بين فتاوى تحريم العادة السريّة وبين الرغبة الطبيعيّة لديهم في إشباع الغريزة الجنسيّة، هذا الصراع الفاشل غالبًا يولّد عقدة الذنب والخطيئة (أنا مذنب، كيف أفعل هذا ثم أصلي أمام الناس الخ)، كما يولّد نوعًا من الاعتقاد بضعف الإرادة (ورغم كونه اعتقادًا خاطئًا، إلا أنّه يتحقّق فعلًا ويسبب تدهور عدّة جوانب أخرى)، وأخيرًا ينعكس هذا الصراع النفسي الرهيب سلبًا على نظرة الشباب تجاه الجنس، إذ يمتزج معها نوع من “القرف” “العداء” .. “عدم التصالح” بعبارة أدق.


لنعود مرّة أخرى ونتذكّر ما قرّرناها في مبحث التصالح مع الجسد:
– خلق الإنسان مكرّم ومقدّس أيّما تكريم وأيّما تقديس، وينسحب هذا التكريم والاحترام على النطفة التي هي أصل الإنسان، وعلى فرج المرأة مكان نفخ الروح، بينما تستخدم المؤسسة هذه السياقات لتحقير الإنسان، ومحاولة إضعاف موقفه النفسيّ من أصله الخلقيّ.
– إختيار فرج المرأة مكانًا لنفخ الروح يدّل على تقديس أسمى لجسدها الإنسانيّ، ونظرة راقية تجاهها، بينما ترفعت معظم كتب التفاسير لاحقًا عن اعتبار الفرج هو الجارحة، وفسّرته بجيب الدرع!
– الماء المهين، يعني الماء القليل، والضعيف، والميم من أصل الكلمة وليست من مادّة هان.
– بعض المرويات عن عدم لمس العضو الذكريّ لا تفيد تقوىً ولا ورع، بل هي تحمل نظرة مضمنة بإستحقار الإنسان لنفسه، وليس لذلك أصلٌ شرعيّ.
– تقديم الحجاب في سياق ستر جسد المرأة من حيث هو عورة، ومن حيث العورة مرتبطة بالخطيئة والإثم والشرور، سياقات غير قرآنية البتّة، الحجاب شرع تقديرًا لجسد المرأة عن أن يمتهن هنا وهناك، ليكون تفاعلها في المجتمع “إنسانيًا” لا يختزل في جانبه الأنثوي كما اليوم.
– الجنس في الخطاب القرآني آية من آيات الله، ومقاربة معنوية لله تعالى (بالطبع في اللقاء الزوجي حصرًا)، عجز المؤسسة عن تبكير الزواج وتحريمها للعادة السريّة ولّد صراعًا نفسيًا أنشئ إنسانًا غير متصالح مع رغبته الجنسيّة.

لا شيء فينا غير مقدّس.