/ الملكية الفكرية

هل من حقك الإحتكار تحت مسمى "الملكية الفكرية" ؟

(ليس أكثر من* أربعة دقائق**، الوقت المقدر لقراءة هذه التدونية)*

تحدثت في التدوينة الماضية عن المحتوى الحر بشيء من الإيجاز، وهذه دعوة عزيزي القارئ لأن تنشر أعمالك كمحتوى حر. ان كنت تؤمن بأن من “حقك” أن تمنع اﻵخر من نسخ ما يريدون من مدونتك وترجمته والبناء عليه ( حتى مع نسبة الفضل لك ) فتنازل عن هذا “الحق” وساهم في تعميم المعرفة ومشاعة الثقافة للجميع ..
كما تحدثت أيضاً عن المحتوى غير الحر، ذاك الذي يقيدك بقرائتك للكتاب وحسب، مانعاً إياك من تصويره أو ترجمته أو حتى الإقتباس منه !!!
لماذا يفعلون ذلك ؟ هل من حقهم إحتكار الفكر والثقافة ؟ هل فعلاً سيخسر المؤلف أو الناشر مادياً من ترخيص الكتب كمحتوى حر؟ وإذا لم يكن الامر كذلك فهل من حقهم أن يمنعوا نشر الكتب كيفما نريد ؟؟ ولماذا ؟
هذا ما توقفنا عنده في التدوينة السابقة، فالنتابع :

حسناً لدي سؤال : من يقرأ الكتب المصورة، تلك التي يسمونها “مقرصنة” وتتجاوز “الملكية الفكرية” ؟؟
إن أكثر من 90 % منهم هم الأشخاص غير القادرين على شراء الكتاب أصلاً، بمعنى أن للكتاب الرقمي رواده وهم أولئك الذين لو لم يحصلوا على الكتاب بصيغته الرقمية لما كانوا سيشترونه لأن ذلك خارج نطاق قدرتهم المادية، وبالتالي فإن الحديث عن الكتاب الرقمي بوصفه يقلل مبيعات الكتاب الورقي هو كلام غير دقيق البتة.
إنني اليوم لأقف متأملاً في عشرات الكتب المصورة التي قرأتها، إنني لا أتخيل نفسي أبداً قادراً على شراء كل تلك الكمية، وبالتالي فإنه لو لم تتح لي فرصة لقراءة هذا الكتاب أو ذاك رقمياً فهذا لا يعني أنني سأخرج من جيبي نقوداً لأشتري الكتاب، هذا الأمر خارج قدرتي المادية بإعتبار أني طالب جامعي (لا أسحب دخلي الخاص) وأنني ألتهم الكثير والكثير من الكتب الأمر الذي يتطلب ميزانية خاصة جداً ليست لدي. قرائتي إذا للكتب الرقمية لم تجعلني أحجم عن شراء نسخها الورقية، أنا لا أملك ثمن هذه النسخ الورقية غالباً.

سؤال آخر : ماذا عن أولئك القادرين على شراء الكتب، ألا تدفعهم النسخ المصورة من تلك الكتب للإحجام عن شرائها ؟؟
لربما، لكنها نسبة ضئيلة لن تسبب تلك “الخسائر الإقتصادية الهائلة” و “خربان البيوت” الذي يتحدث عن أصحاب دور النشر.
في الحقيقة العكس ما يحصل، كثيراً ما يندفع أحدنا ليشتري أحد الكتب بعد أن قرأه رقمياً فوجده تحفة لا تفوت إقتنائها، المؤلف باولو كويلو (صاحب الخيميائي) تحدث أن مبيعاته – وبالتالي أرباحه – تضاعفت بشكل خيالي بعد ان نشر على موقعه النسخة الكاملة من روايته مجانا، هذا ما حدث معي أنا أيضاً، لقد طفقت أبحث عن رواية الخيميائي في المكتبات بعدما قرأتها رقمياً، الكتاب الجيد سيحقق مبيعات أعلى عند إنتشاره رقمياً. الكتب الرقمية لم تمنعني من شراء العديد من الكتب الورقية.

قد تقول : لكنك تمانع بالتأكيد من طبع الكتب (غير الحرة) في مطابع أخرى ونشرها ورقياً جنباً إلى جنب مع النسخة الأصلية، هذا حقاً سيسبب كارثة للمؤلف ودار النشر ؟؟
بصراحة : لا، لا أمانع ..
أريد أن أسأل : لماذا نتصور أنه في حال طبع الكتاب في دار نشر أخرى (مع ذكر اسم المؤلف الأصلي طبعاً) فإنه سينتشر بشكل خيالي في الأسواق وسيحقق مبيعات عالية جداً، بينما الطبعة الأصلية من الكتاب (التي أخرجتها دار النشر بالإتفاق مع الكاتب) ستكسد نسخها ؟؟ لماذا لا تخسر دور النشر الأخرى ؟؟
ستجيب : لأن الكتاب الجديد سيطبع بنفقات أقل، ليس بالضرورة من الورق الفاخر، ليس بالضرورة بتجليد فني مكلف، قد تقلل الألوان، (وهذا ما يحدث فعلاً ) وبالتالي أنت امام خيارين : كتابين في السوق بذات المحتوى مع اختلاف جيد في السعر، بالتأكيد ستتجه نحو الأرخص، في النهاية أنت يهمك السعر بما أن المحتوى واحد، أليس كذلك؟
طبعاً، وأجيبك بسؤال : لماذا تطبع دور النشر كتبها بتكاليف باهظها ؟
تقول لي : لتربح .
مهلا مهلاً، وتأمّل في المعادلة التالية :
سعر زهيد للنسخة يحقق مبيعات ضخمة، سيجني أرباح تساوي تقريباً الأرباح من كتاب بسعر عالي يحقق مبيعات عادية …
الربح موجود في كلا الحالتين، لكن هناك إصرار عجيب على ضمان تكلفة عالية للكتاب …
لماذا لا تقوم دور النشر بطرح نسختين للكتاب : الأولى بإخراج فني عالي (البعض يرغب بذلك حقاً) والثانية كطبعة شعبية بأبخس الأثمان (ستحقق مبيعات فلكية وأرقام ربح طيبة)، بعض دور النشر تفعل ذلك، لكنه أمر غير منتشر للأسف … بهذه الطريقة لن يكون هناك فرصة كبيرة لإخراج طبعة اخرى من الكتاب من قبل دار نشر أخرى لأنها لن تجد شيئاً مميزاً لتقدمه ، لكن بهذه الطريقة نضمن عدم إحتكار المعرفة وإنتشارها على أكبر فئة ممكنة في المجتمع، الكثيرون يقولون بان العامل الإقتصادي أساسي عندما يسألون عن سبب عدم قرائتهم ….

هذا الكلام موجه لكل من يكتب ويؤلف، تخلوا عن “حقوق” لا تملكوها، لا تحتكروا المعرفة، ساهموا بنشر الثقافة وشيوعها، انشروا كتاباتكم ورخصوها تحت محتوى حر. (الحمد لله رقمياً بدأ الأمر بالإنتشار، لكن من سيبناه من دور النشر ؟ ما رأيك بان تفتح واحدة تقوم على فلسفة الحرية ؟؟ جدياً ؟؟ أخلص نيتك وسيبارك لك إن شاء الله)

ماذا ستفعل اﻵن ؟؟؟