المثقفون والثورة.. أسباب الغياب ونتائجه

2012-06-14

مع انطلاق فعاليات التظاهرة الثقافية «وطن يتفتح في الحرية» في العاصمة القطرية الدوحة، والتي تهدف إلى إبراز الوجه الفني والثقافي السلمي لهذه الثورة الأسطورية، بمشاركة فنانين ومثقفين سوريين وعرب، يعود السؤال عن دور المثقفين في الحراك السوري إلى الواجهة من جديد، فقد كان واضحًا منذ البداية أن الشارع لم يسبق المعارضة وحسب، وأن هذه الأخيرة عجزت عن توقع تحركه ومجاراته، وإنما «الطبقة المثقفة» هي الأخرى تخلت في هذه اللحظة التاريخية عن دورها القيادي، فكثيرٌ منها أبدى تأييده الفج للعصابة الحاكمة، والبقية لاذوا بصمت مريب، دون أن نغفل البعض ممن سجلت لهم ذاكرة الثورة موقفًا شجاعًا مشرّفًا.

وأحبّ أن أقارب هذه المسألة بطرح سؤال آخر يتعلق ‹بوجود› شريحة مثقفة لها وزنها وأثرها في الحياة اليومية، مما يمكنها من لعب ‹دور› ما.

لنطرح على أنفسنا أسئلة عدة تعطينا نوعًا من الإجابة عن السؤال السابق: كم تبلغ نسب القراءة بين الشباب السوري؟ كم تبلغ نسبة استهلاك الورق في سوريا؟ كم عدد مشتركي الشبكة العنكبوتية؟ كم عدد الصحف والمجلات والقنوات المستقلة؟ هل يمكننا تعداد عشرة رموز ثقافية مشهورة أبدت موقفًا شجاعًا علنيًا مناصرًا للثورة؟ ما الرموز الوطنية التي كانت تغرّد خارج السرب الحكومي طيلة العقود الماضية؟

هذا كله يذكرنا بالحقيقة التي نعرفها جميعًا حول ضعف الشريحة المثقفة في سوريا، سواء من حيث الكم أو من حيث النوع مقارنة مع دول عربية أخرى.

ونستذكر هنا أيضًا أن الثورة السورية هي ثورة أرياف (وليس في هذا ما يعيب أبدًا)، فمنشأها وزخمها وعسكرتها اليوم موجودة في الأرياف، حيث كان الحراك المدني تابعًا لحراك الريف في غالب الأحيان ومتصاعدًا بعد تصاعده، على خلاف ثورتي تونس (التي تجلى بها دور النقابة) ومصر (ثورة الشباب الجامعي)، بغض النظر عن تقييمنا لمسار الثورتين في الوقت الحالي.

ضعف الشريحة المثقفة في سوريا وضآلة حجمها وعدم تنظميها، إضافة إلى الوحشية القمعية الشديدة من قبل جيش الاحتلال الأسدي، أدى إلى تحجيم دور هذه الشريحة بشكل كبير في الداخل السوري، سواء من حيث هجرة أفرادها أو لوذهم بالصمت المطبق، أو تحركهم القلق المقيد بقبضة أمنية حديدية. وهذا أدى (من ضمن ما أدى) إلى ظهور الأخطاء الإعلامية (المبالغة، التهويل، خطاب الاستجداء، الكذب للأسف الشديد)، وغياب الخطاب الثقافي للثورة إعلاميًا وداخليًا، وانعدام التنظير الفكري الثوري الذي فقدنا بعدم تفعيله شيئًا كثيرًا.

فكان ملاحظًا منذ اليوم الأول للثورة أن العمل الإعلامي الخارجي هو الأكثر بروزًا (صفحات الفيسبوك الإعلامية، الفيديوهات الثورية، الأغاني، البرمويات، الكتابات الثقافية، المحطات الإذاعية والتلفازية، الجرائد والمجلات) ولم ينشط العمل الإعلامي الداخلي إلا في الأشهر الأخيرة.

وفي هذا السياق أشعر أنه من المخجل أن يكون كل الخطاب الإعلامي للمعارضة متشابهًا ومكررًا على مدار عام وربع تقريبًا، وأن يخلو حديثها من أي تحليل ثقافي او اجتماعي لمجريات الأمور، بل ويكاد يكون الشخص الأكثر بروزًا في هذا الجانب هو المفكر الفلسطيني عزمي بشارة! في ظل غياب أسماء سوريّة تتصدر هذا المشهد.

الثورة السورية على روعتها وجمالها وأسطوريتها المذهلة تحتاج إلى فكر ثوري لإحداث تغيير عميق في البنية التحتية للمجتمع (الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية)، وهذا الفكر لا يحمل في الهواء ولا في الأوراق، بل يتمثل في شباب مثقف واع يحمل النظرية ويعيش تطبيقها، وينشر أفكارها في بيئته من خلال أدواته الخاصة.

*نشرت كمساهمة في جريدة عنب بلدي – العدد 19 –


comments powered by Disqus