/ كتب قرأتها

إدرينالين … عندما يصبح الهرمون "عقيدة"

مقتطفات من كتيب “إدرينالين” للدكتور أحمد العمري، ضمن سلسة ضوء في المجرة:

في الحديث القدسي الذي يرويه ذاك الذي لا يكذب أبداً عن ربه، يقول: أمر رب العزة عبده جبريل ان يخسف الأرض بقرية عم فيها الفساد. فراجعه جبريل ليستفهم قائلاً: إن بها عبدك الصالح فلاناً.
فقال له رب العزة : به فابدأ.
فاستغرب جبريل : لماذا يا رب؟
فأجابه الله ذلك الجواب الذي يحتاج منا إلى أن نخاف على أنفسنا : قال له : إن وجهه لم يتمعر يوماًَ فيّ.

هذا العبد الصالح في تلك القرية الفاسدة، لم يتمعر وجهه يوماً في الله، لم يغضب يوماً لله، لم يتغير وجهه من أجل حد من حدود الله، أو حق من حقوقه، لم يجر الدم الغاضب الى وجهه، لم يحمر وجهه من أجل حرام مرتكب او حلال منتهك ..
عبد صالح، لكن لم يتمعر وجهه يوماً في الله؛ ظل وجهه محايداً وهادئاً مسترخياً، رغم فساد قريته ولذلك قال رب العزة لجبريل : به فإبدأ

إنه يصلي ويصوم ويزكي، ويؤدي الفرائض كلها، ربما بإتقان وحرص، ولكن وجهه ظل هادئاً مسترخياً محايداً وهو يمر بمظاهر الفساد في قريته.
إنه يغدو ويجيء للمسجد، وربما يقوم أحياناً الليل، وربما يخصص جزءاً من وقته لقراءة القرآن، ولعل لديه ورد يومي من الأذكار وهو في اغلب الأحيان حريص عليه ..
إنه عموماً وعلى الأغلب حريص على عبادته يجاهد نفسه في سبيل أدائها وإتقانها، ربما كل فرض في وقته مع محاولات لاستحضار الخشوع، ربما دمعة هنا وشهقة هناك .. ربما بعض العلم الشرعي هنا وبعض الأحاديث هناك ..
لكن وجهه لا علاقة له بكل ذلك، وعندما كان يمر – ربما حتى في طريقه إلى المسجد – بمظاهر الرذيلة والفساد التي تعج بها قريته الفاسدة، كان وجهه يظل محايداً مسترخياً هادئاً ..

رغم حرصه على العبادة، رغم قرائته للقرآن فإن لديه مشكلة جسيمة قد تؤدي إلى جهنم .. مشكلة حقيقة، في الفهم أساساً، ومشكلة هذا العبد الصالح أن فهمه للتدين كان فهماً فردياً انعزالياُ، ظل دينه محبوساً في قوقعة مغلقة هي قفصه الصدري، مشكلة هذا العبد الصالح أن فهمه للتدين جعله يتصور أن العبادات محض طوق نجاة يلقى إليه ليتمسك به عندما تغرق السفينة، وهو يجهل أن الطوفان عندما يأتي لن يميز بين أحد.

جاره الفاسد كان معدنه طيباً، لكنه لم يحاول معه، صديقه شارب للخمر .. كان يمكن أن يمتنع عنها لكنه كان يقول : لا تزر وازرة وزر أخرى. أخته السافرة كان يمكن أن ترتدي الحجاب وأخوه كان يمكن أن يصلي .. لكن العبد الصالح لا أقول لم يحاول فحسب بل إن وجهه لم يتمعر ولم يشعر بالغضب ..

ذلك العبد الصالح، الذي عاش حياة التقوى والعبادة في القرية الفاسدة، ربما كان خجولاً يخاف من مواجهة الناس، ربما لم يكن لديه أسلوب، ربما لم يكن عنده علم بالآيات والأحاديث، ربما كان يتلعثم وربما كان يتأتئ. ربما كان عنده ماض حافل بالمعاصي قبل أن يتوب الله عليه، وكان يخجل من مواجهة الناس ماضيه ذاك .. ربما منعه ذلك كله من محاولته تغيير الناس.
ذلك كله ليس المشكلة.
المشكلة كلها كانت أن وجهه لم يتمعر في الله.

وهذا التمعر – الذي يمنع العذاب، والذي يفتقده ذاك العبد الصالح في تلك القرية الفاسدة – هو في النهاية تلك الهوية الحقيقية التي تفصح من أقرب الطرق وأوضحها عن حقيقة انتمائك. الهوية الحقيقية ليست تلك الورقة الصادرة عن الدوائر الرسمية، الهوية الحقيقية ليست هي المظهر الذي يفترض أن يعبر عن حقيقتك … هويتك الحقيقية تظهر في ذلك التمعر خلف اللحية عندما تمر المعصية

اسأل نفسك هذه الأسئلة: هل تحس بالألم لأن الناس لا يصلون؟ هل تشعر بالألم لأنهم لا يبالون عندما يصيح (الله أكبر)؟ هل تشعر بالألم لأن فيهم أناساً خبرت معادنهم الطيبة، أصدقاء وأقرباء، ومع ذلك فهم لا يصلون؟
هل تشعر بالألم عندما تراهم بالمعاصي منهمكين؟
هل تمشي على الأشواك في الطرقات، وأنت ترى الناس يمضون إلى جهنم غير عابئين بشيء؟
هل تشعر بالشفقة حيال هؤلاء؟
هل تشعر بالغضب من أجلهم لأنك أصلاً لا تكرههم بل تحبهم، لكن تكره هذه القيود التي تركوا الشيطان يضعها في أيديهم؟
سؤال أخير : هل تعرف إجابات العبد الصالح في القرية الفاسدة على هذه الأسئلة؟

الذين يصورون الإيمان على أنه محض طمأنينة وهدوء، سعادة وراحة بال، لا بد أن يكونوا في خانة من اثنتين : إما أنهم أغبياء، أو انهم جاهلون. إنهم يروجون عن الإيمان مفهوماً في غاية البعد عن الجوهر الحقيقي للإيمان … لكن الإيمان الحقيقي يظل شيئاً آخر مناقضاً لذلك كله
و أحيانا يكون الإيمان ارتفاعاً حاداً في الضغط. يكون تصلباً مزمناً في الشرايين. يكون توتراً مرهقاً في الأعصاب، يكون أرقاً. يكون قلقاً. يكون إنشطاراً في الروح بسبب صداع رهيب في الرأس.
طمأنينة؟ راحة بال؟ هه! إنهم لا يعرفون.

المعضلة أنك عندما تملك غيرة على دينك، ستولد في أعماقك بالتدريج ثورة ضد السلبيات.
الغيرة تديم قدرتك على الرفض. وعلى الإنتماء وتجدد الحياة في داخلك. ثورة تنمو في داخلك ضد كل ما هو خطأ في هذا العالم، كيف لا تنفجر الحياة في داخلك؟

وأقول لك أيضاً، عندما يتركز كل ألمك ومعظم غيرتك على شخص واحد، يصير محوراً لآلامك وغيرتك وغضبك وحزنك وحسرتك .. إذا تركزت دوافعك على شخص واحد، صرت فجأة لا تحتمل فكرة أنه لا يصلي ويؤلمك جدا بل ويكاد يذبحك أنه لا يصلي .. ولا يبالي بذلك ..
إذا حدث هذا لك فتمسك به أيضاً فقلما يحدث ذلك.

يخيل إليّ أحياناً أن أحداً لن يدخل الجنة إلا إذا كان قد أخرج واحداً غيره من النار. إنها الطبيعة الجماعية لهذا الدين. ربما سيأتي شخص ما ومعه مئات وربما آلاف، كان له يدان فقط مثلنا جميعاً لكنه أحسن استخدامهما .. وسيأتي أفراد مع كل منهم عدة أشخاص، وسيأتي أفراد مع كل منهم شخص واحد فقط، عبر العمر كله .. لاتنتقص الرقم واحد ياليتنا نكون منهم

انقاذك لهذا الشخص – بالمناسبة – سيكون مؤلماً جداً وصعباً للغاية .. ستتعب؟ ربما، المهم ألا تنهزم. ورغم الألم تمد يدك لتنقذ هذا الشخص أو ذاك من جهنم. وسيكون مؤلماً جداً أن تمد يدك أنت فيرفضها هو، لكن – ولأن الجنة ليست سهلة أبداً – فإن ذلك يحدث في الغالب، يرفض الشخص أن تأخذه بيدك ويفضل جهنم، ربما لأن إبليس همس في أذنيه عنك بالسوء .. إرهابي … وخلال ذلك سيهمس في أذنك أيضاً .. كرامتك، لقد تمرغت في الوحل، ما عليك ألا يهتدي لقد عملت الذي عليك .. لكن لا يجب أن تتوقف …
هل قال لك أحد : إن درب الجنة معبد بالورود؟

ذلك العبد الصالح في تلك القرية الفاسدة … طبعاً كانت عنده مشكلة في الأدرينالين.

إذا أردت التأكد من موتي، فلا تقس النبض في عروقي، ولكن قس الإدرينالين في دمي
أقول لك : به فإبدأ