/ منوع

الخوف من الخوف، تعقيبا على تدوينة روحانية بلا خوف

الصديق الجميل طوني صغبيني واحد من أكثر الأشخاص الذين أثّروا وأثروا حياتي خلال العام الماضي، تعرفت عليه إثر قرائتي لكتيبه الرائع «العيش كصورة: كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة»، ولم أنهيه حتى التهمت باقي كتيباته المتوفرة على الشبكة، ولا يمكنني حقيقةً أن أخصص أحدها بالثناء، لأنها جميعا ساهمت بتنوير عقلي وروحي.. ومنذ ذلك الوقت أقرأ له وأتنور من كتاباته… إنه من ذلك النوع من الأشخاص الذي يقدم محتوىً فريدا وعميقا..

هذا لا يتنافى بطبيعة الحال، مع أية ملاحظات وانتقادات فكرية سواء على ما يورده من آراء أو على منهجه، فمنذ وقت كنت أرغب بكتابة تعقيب على أهمها، ولم يتح ذلك لي، إلا بعد قراءتي الممتعة لتدوينته الأخيرة، المعنونة بـ «روحانية من دون خوف»، والتي أتفق مع جوهر فكرتها، القائل بعدم بناء رؤيتنا للحياة والدين على أساس الخوف، أو فهم علاقتنا مع أنفسنا ومع ما يحيط بنا من منظوره، وإلى جانب ذلك وردت بعض الآراء التي كنت أرغب باستمرار أن أعقب عليها.. قد لا يخلوا تعقيبي من بعض السخرية، وليس ذلك لحساسية ما مع صاحب نينار، لكنه أسلوب أحب الكتابة به أحيانا، وأظن أن العزيز صغبيني سيتقبله بصدرٍ محبّ:

“صحيح أن الكثير من أدياننا السائدة حالياً ترتكز على الخوف. الخبر الجيّد هو أن هذه الأديان هي تطوّر حديث نسبياً في التاريخ البشري. أقدم أديان الحضارة يبلغ عمرها فقط 5000 عام، وهي فترة قصيرة جداً من عمر السلالة البشرية البالغ على الأقل 2.6 ملايين سنة»

ما هو عمر دينك يا صاح؟
قل لي كم عمر دينك وسأقول لك إن كان جيدا ام لا؟ مرحبا بكم هنا.. كل شيء يحدده العمر
– 1400 عام فقط!!! لا أنت لا تستحق النقاش على الاطلاق
– 5000 عام؟ من أنت اغرب عن وجهي… أنا لدي دين يعود الى ملايين السنين

الاعتماد على «القدم» واحدة من أكثر المغالطات المنطقية شيوعا، مجرد أن الشيء قديم أو حديث لا يعطيه دلالة على صحته أو لا. انتبه! لم أنكر هنا او اثبت أن الاديان الحالية ترتكز على الخوف، وأن تلك القديمة أفضل منها، فقط أناقش الطريقة المتبعة في الاستدلال، فالخبر الجيد لا يعدو عند نينار أكثر من عملية حسابية بسطية، نكتشف فيها أن الدين الذي يتبعه البعض، عمره كذا، وأن الاديان الاخرى عمرها أضعاف ذلك، وبما أن الصحة تميل للقدم، اذا الاديان القديمة سليمة أكثر، ببساطة حسمنا النقاش 🙂

لـ 99 % من تاريخنا البشري (المعروف باسم الحقبة الباليوليثية أو العصر الحجري)، نادراً ما تمحورت فنوننا وثقافتنا ورسوماتنا في الكهوف حول الموت. هذا ينطبق على كل ثقافات العصر الحجري في كافة أنحاء الكوكب”.

الاعتماد على «الشيوع والانتشار» مغالطة منطقية أخرى، يقع فيها العزيز طوني، فمعظم تاريخنا البشري كان يخلو من كذا، وكان تسود به فكرة كذا ودين كذا، وهذا في كل انحاء الكوكب، وفي كل الازمنة، وكل الامكنة… الاسلوب عينه تجده عن معظم اتباع الاديان السائدة (ديننا هو الاكثر انتشارا، هو الاكثر نموا، سيدخل الاسلام كل بيت على وجه الارض، الخ)… انتبه، لم أقل أنا مع أو ضد فكرة التمحور حول الموت، أناقش فقط الاسلوب المتبع 🙂

رسوماتأسلافنا وآثارهم الأركيولوجية لا تدلّ على وجود أوبئة، فقر، حروب شاملة…. القدماء كان لهم روحانيتهم الخاصة… عبادة الاسلاف من اقدم الافكار الروحية التي حملها البشر قبل ظهور الاديان”

اااه … نعم انهم السلف الصالح، واحدة من أدبيات النوستالجيا لدى طوني… أسلافنا القدماء الرائعين، مثال لكل فكرة مثالية طوباية، أنموذج للفردوس الذي نحلم به، العودة لفهم السلف الصالح، وأسلوبه في الحياة… اااه لو ولدنا في ذلك العصر، نحن تعساء لأننا نعيش في عصر لعين، بينما الخير كل الخير في القرون الاولى….
كما ترون، هي السلفية عينها، لكن مع طوني الاسلاف هم اولئك الذين عاشوا قبل 3 ملايين عام وليس قبل ثلاثة قرون أيها الاغبياء 😀

“للأسف، حتى حين حاولنا أن نتجاوز العقائد الروحية المرتكزة على الخوف خلال العقود القليلة الماضية، تجاوزنا فقط المفاهيم الفكرية لكننا نادراً ما تجاوزنا الخوف نفسه”

مجددا لا انظر لحياتي أو ديني من منظور الخوف، ولا ابني على الخوف علاقة ما، لا مع الله، ولا مع نفسي او الاخرين… لكن لا ادري كيف سنتجاوز الخوف! وهو جزء من الطبيعة البشرية التي يرى طوني أننا جزء حميمي منها. “الذئاب أخوتنا” يقول، لكن أتسائل مالذي تفعله الغزلان عندما ترى ذئبا او مفترسا ما يلاحقها؟ هل تركض باتجاهه لتحضنه بحب، في عالم يسوده الوئام والتناغم؟ أم يسيطير الخوف عليها، وهو ما يجعلها تركض بأسرع ما لديها لتحفظ حياتها… الخوف – في سياقه الطبيعي – يلعب دور بناء في الطبيعة الكونية، التي نحن جزء منها…

وهنا ايضا انكار لكل حركات الاصلاح الديني، التي جاءت لتنبذ فكرة (الخوف)، من الله أو من الذات أو من الاخر، لترسي أدبيات ومنظومات فكرية تبني حياتنا ومنظورنا لأنفسنا وللكون وللمقدس بناء على الحب والتقدير والتناغم لا غير… لذا أردد أنه لا يهم الدين الذي تؤمن به، بل الكيفية التي تفهم بها هذا الدين وتمارسه..

بغض النظر عن موقفي من قانون الجذب، إلا أن الطريقة التي ينقد بها طوني جوهر القانون تدعو للإستغراب، إذ يقول ناقدا “أفكارنا مسؤولة عن كلّ ما يحدث لنا، لذلك من الأفضل مراقبتها جيداً… هذا هو صلب العيش في الخوف”

لكن مهلا ان لم تكن أفكارنا مسؤولة عن سلوكنا وبالتالي ما يحدث لنا، فلم تدبج المطولات النظرية في نقد اطروحات الاديان الابراهيمية؟
مجددا لست مع أو ضد الاديان الابراهيمية، لكن أقول اذا لم تكن أفكارنا تتحمل هذه الدرجة من المسؤولية فلم تطيل اذا في نقدك للمنظومة الفكرية للاديان الابراهيمية؟!
ستقول لي  لأن الطريقة التي ننظر بها للكون والحياة ستنعكس على سلوكنا وحياتنا.. حسنا هذا هو جوهر الجذب حسبما أفهمه!!

“الحياة والموت مترابطان سوية كما هي الجبال والوديان. الموت هو ما يعطي الحياة قيمتها، كما أن الحزن هو ما يعطي السعادة طعمها الحلو. هذا هو الدرس الأول عن حقيقة العالم”

يمكن لأي كان ان يقول لك، الخوف والامان مترابطان سوية كما هي الجبال والوديان، الخوف هو ما يعطي الامان قيمته، هذا هو الدرس الاول عن حقيقة العالم 😛
احذف الفقرة يا رجل، خزيتنا 😀

بقي لديّ تعقيبان سريعان أود أن أذكرهما لأهميتهما:

الأول عن الاهتمام الكبير الذي يوليه طوني لرسومات الاسلاف، وما تركوه من آثار اركيولوجية، وما نحتوه على صخور جبال التبت، وما خلفوه من توضيحات داخل الاهرام المصرية… وهو اهتمام يشابه (من حيث الجوهر) اهتمام متبعي الاديان السائدة بالنصوص المقدسة التي تركها الاسلاف، والشروح التي زينوها بها، والهوامش والتعقيبات والمراجعات والتنقيحات عليها (طوني متتبع جيد لأحدث الكشوف الأثرية)… وهو اهتمام يشي (في عمقه) بعدم قدرة الانسان الفرد على تبصر الحقيقة بشكل ذاتي، بل لا بد من العودة إلى ما كُتب في النصوص (الحجرية أو الورقية في نهاية المطاف لا فرق كبير) من قبل الاسلاف، لنكتشف الحقيقة، فالحقيقة بعيدة، وتحتاج لتنقيب عن النصوص الاقدم والاصح..

التعقيب الاخر عن الصورة الجمالية الطوباوية التي يرسمها للطبيعة، جمالها وعدم التدخل بها الخ… ورغم أنني من عشاق هذا المذهب، لكن الصورة التي يفصّلها طوني بلغت حدودا غير واقعية… فللأنهار فيضاناتها وللجبال براكينها، وللغابة حشراتها السامة، ونظامها القائم على الخوف من القوي وافتراس الضعيف، وأن تامل كسوفا واحدا للشمس قد يسبب فقدان للبصر…التدخل بالحد الادنى هو مذهبي، وهو تدخل تحتاجه الطبيعة، بل وتطلبه من الانسان، وإلا لم زودته بكل ما لديه!

——

مع كل التقدير والحب الحقيقي… شكرا لك صديقي