السنّة النبويّة (1): ليست قضيّة قرآنية

هذه مجموعة من التدوينات، أكتبها لأشرح وجهة نظري فيما يتعلق “بالسنّة النبويّة”، قد يقرأ بعض الأصدقاء تغريدات لي، أو يسمعون أفكارًا ويستغربون المنطق الذي أتحدث به… لا أحاول إقناع أحد بكلامي التالي، يمكن لأيّ كان أن يسمعه ثم ليرميه بسلّة المهملات، المهم أن أكون واضحًا ومفهومًا لمن يريد أن يفهم.

الفكرة الأولى التي أريد الحديث عنها اليوم – وهي بسيطة جدًا –  : السنّة النبويّة ليست قضيّة قرآنيّة.
ماذا يعني ذلك؟

التنزيل الحكيم تبنى مجموعة من القضايا وعمل على شرحها، وعرض حجج المناؤين لها، وفندها، فطوّل وفصّل، وطرق هذه المواضيع من عدّة زوايا، وبعدّة أساليب… وهذه هي القضايا الرئيسيّة التي تشكّل محوّر القرآن.

البعث – على سبيل المثال – واحدة من تلك القضايا التي تبناها القرآن الكريم، وكما هو واضح، فالأمر لا يقتصر على بضعة «آيات» تشكّل «أدلة» قرآنية، بل أطال الخطاب القرآني في تبيان حقيقة البعث، وضرب لها الأمثلة، والتشابيه، وفنّد الحجج التي طرحها الطرف الآخر المنكر لها في عشرات وعشرات المواضع.

الدعوة إلى تدبّر الكون، والتأمل فيه، وفي خلق الله به، موضوع قرآني طويل أيضًا.
الدعوة لتدبّر القرآن، والتفصيل في ذلك، والتحذير من الإعراض عنه، موضوع قرآني أصيل.وهكذا لا يمكن أن نقف أمام القضيّة القرآنية لندرس هل هناك أدلة على وجودها أم لا، بل هي من الوضوح والمباشرة والتكرار ما يبين مشروعيتها، بل ومحوريتها في الخطاب القرآني.

وهذا يختلف عن تلك المواضيع التي لها «أدلة» في القرآن الكريم، والدليل قد يكون آيةً واحدة، أو ما شابه، وقد تكون واضحة الدلالة، وكثيرًا ما لا تكون كذلك، فقوّة القضايا القرآنية لا تقارن مع قوّة تلك المواضيع التي قد نتلمّس لها دليلًا من هنا أو من هناك.

ما أودّ قوله ببساطة هو أن «حجيّة السنّة النبويّة» ليست قضيّة قرآنية، ليست قضيّة طرحها القرآن، وتبناها ودافع عنها، بل هي** قضيّة تاريخيّة**، طرحت مذهبيًا، في الردّ على باقي الفرق، والانتصار للمذهب… الآن ما قد يستدّل به كلّ فريق من الطرفين في إثبات وجهة نظره من «آيات» لا تعدو عن كونها «أدلة» مساعدة، يحاول استنطاقها بوجهة نظر ما، دون أن تشكّل – هذه الآيات – قضيّة قرآنية أصيلة تسمى: حجيّة السنّة.

هل السنّة حجّة أم لا؟هذا السؤال تاريخيّ / مذهبي، أوجد لكي نستطيع تفريق الناس إلى طوائف، حسب موقفهم، وليس سؤال طرحه القرآن وألزمنا بتباحثه.

في التدوينة القادمة سنتوقف عند «الآيات» التي يقال أنها تدعم «حجيّة السنّة»، لنرى مدى رسوخ هذه القناعة..