السنة النبوية (2): الأدلة غير المسعفة

يطرح الفريق الآخر – ممن يقول بحجيّة السنّة، وبأنها تشكّل أكثر من ثلثي دين الإسلام، مجموعة من الأدلة القرآنية، التي تؤكد – حسبما يقولون – رأيهم، في أن المرويات المنسوبة للنبيّ وحيٌ آخر، ينبغي تصديقه رأسًا، والعمل به فورًا.

فإذا سألنا عن هذه الأدلة، أتانا في مقدمتها قوله تعالى {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}، وأن هذه الآية دلّت بوضوح بأن كل ما نقل عن النبي من أقوال وكلّ ما نسب إليه من مرويات، إنما هي وحيّ من الله، وجب تصديقه واتباعه.

ومناسبة نزول هذه الآية معروفة، في تكذيب قريش للرسول في قوله أن هذا القرآن وحيٌ من لدن الله، وعلى هذا جاءت أقوال المفسرين:

قال القرطبي: قوله تعالى : وما ينطق عن الهوى قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه وقيل : عن الهوى أي بالهوى. اهـ.
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه. اهـ.
قال البغوي: يريد لا يتكلم بالباطل؛ وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – يقول القرآن من تلقاء نفسه. اهـ.
قال البيضاوي: وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى. اهـ.
قال النسفي : وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه

وانتماء الآية لسورة النجم، التي نزلت في العهد المكيّ المبكّر، وفي سياق تكذيب مصدر القرآن، يوضّح بلا ريب السياق الذي نزلت لتأكيده هذه الآية.

ثم إن محاولة تعميم معنى الآية ليشمل كل حرف خرج من النبي، يتناقض مع الحقيقة البشريّة للنبي التي سجّل لها المصحف عينه أخطاء عدّة، فهل هذه الأخطاء جاءت بوحيّ من الله ثم صُححت بوحيّ آخر!

بعبارة أخرى، كيف أخطأ الوحيّ مثلًا في قضية أسرى معركة بدر، إن كان كل ما يصدر عن النبي وحيٌ من الله؟

الآية الثانية التي يقدمونها كدليل لدعم صحّة مذهبهم، قوله تعالى {أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم}

يقولون، أي أنزلنا إليك يا محمد السنّة النبويّة (الذكر)، لتبين للناس ما نزّل إليهم من (قرآن)!

الغريب أن معنى (الذكر) عند المؤسسة لا يحدده السياق، وإنما الحاجة، فإذا كنا بمقام الدفاع عن الوحيّ قلنا  {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، فيصبح الذكر هو القرآن، وإذا كنا بمقام الدفاع عن المرويات النبويّة، سقنا الآية السابقة، لكن ليكون (الذكر) بعنى (المرويات)، وعندما نكون بمقام الوعظ الديني نستخدم قوله تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} لنقصد بالذكر، التكرار الشفويّ للفظ الجلالة، وهكذا، فالمعاني تختلف حسب الحاجة والطلب.

رغم هذا التشويش فسياق الآية واضحٌ في أن المقصود بالذكر (الوحي)  {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}
قال الطبري: وقوله : ( وأنزلنا إليك الذكر ) يقول : وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم ، ( لتبين للناس ) يقول : لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك. اهـ
يقول ابن كثير: قال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر ) يعني : القرآن ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) من ربهم أي : لعلمك بمعنى ما أنزل عليك ، وحرصك عليه ، واتباعك له. اهـ

وأقتبس من الكتب المعتبرة عند المؤسسة الدينيّة، لعلمي بأن في ذلك ما يشفي غليلهم، أو يسكت ألسنتهم، ولو قلت بذات تلك الأقوال لما قبلت منيّ، دون أن أشفعها بقال فلان وأخبرني علان.

الآية الثالثة: قوله تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}

قالوا نقلا عن الشافعي وغيره، الحكمة أي السنّة النبويّة (حسب الحاجة، بينما كانت السنة النبوية هي الذكر منذ قليل)، وإذا كان الأمر على هذا الحال، فلمَ يصرّون على تسميتها بالسنّة النبوية، ويدعون تسمية القرآن لها بالحكمة.. بينما السنّة في القرآن هي القانون الكونيّ.
ولا أريد أن أنفي قولهم، لكن نقل المفسرين أقوالًا كثيرًا في تفسير (الحكمة)، كان بعضها أقرب للمعنى للقرآني، فقصر معنى الآية وتدشين مذهبًا كاملًا بناءًا عليها، مما لا يستقيم له الأمر.

قال القرطبي: قوله تعالى : ويعلمهم الكتاب والحكمة، الكتاب: القرآن، والحكمة المعرفة بالدين ، والفقه في التأويل ، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى ، قاله مالك ، ورواه عنه ابن وهب ، وقاله ابن زيد . وقال قتادة : الحكمة السنة وبيان الشرائع . وقيل : الحكم والقضاء خاصة ، والمعنى متقارب. اهـ.

يقدّم المقال المشار إليه منذ قليل تساؤلاتٍ عدّة حول حقيقة معنى الحكمة المقصود، والسؤال الذي أريد أن أضيفه، إذا كانت الحكمة هي السنة النبوية، وهي وحيٌ من الله، فلم لم يحفظه الله؟ بل أوكلت هذه المهمة إلى البشر، ممن روى، وممن جرح وعدّل، فاختلفوا اختلافا كبيرًا بين بعضهم حول ثبوت مقولات هذا الوحي من عدمه؟

هذه هي الأدلة القرآنية الثلاث التي يقدمها الطرف الآخر على حجيّة المرويات النبويّة، أعلم بأن تلك الآيات تستحق نقاش هادئ ومطوّل أكثر، لكن الفكرة التي أريد أيصالها ببساطة: ما هي الآيات الواضحة الدلالة التي تقدمها المؤسسة الدينيّة لأتباعها في حجيّة السنة النبوية من القرآن؟

سيقولون: طاعة الرسول، وهو معنىً تكرر في عشرات الآيات… وهذا هو موضوع تدوينتنا القادمة.