/ المجتمع والواقع

إنّا بنيناه من طينٍ لازب

يقطن جدي وجدتي لأبي في بيتٍ عربي، بينما يقطن جدي وجدتي لأمي في بيتٍ ريفي خارج البلد .. أذكر مرةً أنني كنت صغيرًا عائدًا مع أبي من بيت جدي إلى منزلنا عندما ٍسألته : لماذا لانعيش في بيتٍ عربي كالذي يعيش فيه جدي، لما غيّر الناس أشكال منازلهم ؟
يومها قال لي أبي : بأن الناس تتكاثر، والأعداد المتزايدة تفرض هذا الشكل الجديد من البناء، حيث بالإمكان أن تُستغل مساحة البيت الواحد بالتمدّد العمودي للبناء لتتسع حتى عشرات بل مئات المنازل …
اقتنعت يومها بهذا الجواب .. ونسيت الموضوع .. حتى بعيد العدوان الصهيوني على غزة منذ عامين تقريبًا، حيث تهدّمت مئات المنازل، وكان الإسمنت والحديد المسلح من المواد الممنوع دخولها إلى القطاع .. هنا سمعت عن دعوات لبناء الفلسطينين منازلهم بأنفسهم بما يتوافر لديهم من مواد بناء خضراء (أي مستمدة من البيئة).
في تلك الفترة أيضًا كتب المدوّن عبد الله المهيري في مدونته عن بناء المنازل من الطين، بإعتباره أرخص، وأكثر ملائمةً مع الطبيعة، وحلًا لمشكلة توفير المسكن التي تقف في وجه الشاب عندما يبدأ في رحلة تأمين متطلبات الزواج ..
ثم عرض أمثلةً لأشخاص بنوا منازلهم بأنفسهم من الطين ثم سكنوها وأثبتوا جدواها وعمليتها .. وأخيرًا كتب موضوعًا عن المعماري العربي ‘حسن فتحي’ مهندس الطين والفقراء …

هذه الأحداث جعلتني أفكّر .. الطين!؟ …. كيف ؟؟ … وهل يقوى ؟؟ … وهل يمكن ؟؟ … وهل يصمد أمام المطر والرياح ووو …
اتجهت إلى صديقٍ عزيزٍ لي يدرس هندسة العمارة لأغرقه بوابلٍ من الأسئلة .. أجاب على شيءٍ من أسئلتي وقدّم لي كتابًا يعرض حياة وفكر المهندس ‘حسن فتحي’ ..
العمارة بمواد خضراء لا تقتصر فقط على استخدام الطين، وإنما على العنصر الأكثر توافرًا ورخصًا في البيئة المراد البناء فيها مثل الصخور والحجارة وغير ذلك، طبعًا مع مراعاة أن تحقق هذه المواد بعض الشروط الفنية والهندسية ..
سوف نتحدث في هذه الحلقة عن الفكر المعماري العربي الذي يقف وراء العمارة الخضراء، ثم عن مادة الطين وإمكانياتها، بحسبانها منتشرة في جميع البيئات تقريبًا ..

يرتكز هذا الفكر على دور الإنسان وحقه في صياغة المكان الخاص الذي سيقطن فيه، حاليًا فإنه نادرًا ما يشارك الإنسان في الشكل الخارجي لمنزله وطريقه تصميمه، ويترك له ‘مهندس الديكور’ هامش بسيط من المشاركة في صياغة البناء الداخلي للمنزل، لقد استبدلنا منازلنا بمنازل العم سام، هذا مافعله مصطفى كمال أتاتورك في تركيا وعلي باشا في مصر، وهو ما باتت تطالب به مختلف طبقات الشعب، إنها تطالب بتغيير لون بشرتها ولون شعرها فيما يُسمى بالإستعمار الذاتي ..
اليوم تنقل الأفكار المعمارية من بلدٍ إلى آخر دون إحترام الواقع المناخي المحلي والبيئة المحيطة وهو مايعتبر خطأ فادحًا، فليس من المعقول أن نشيد بيتًا شرقيًا في أوروبا أو بيتًا أوروبيًا في الصحراء …
أذكر مرة أنني قرأت مقالًا في مجلة العربي، يتندر به صاحبه عن جنون مهندسي البناء، الذين ينقلون التصاميم المعمارية من أوروبا دون مراعاة لتغير البيئة .. وضرب مثالًا صارخًا، وهو استخدام ناطحات السحاب ذات الواجهات الزجاجية، التي تعطي الدفء في القارة الباردة، ومن منطق تقليد المغلوب للمتغلب، منطق التغريب، راح مهندسو الخليج بنقل هذه التصاميم إلى الصحراء العربية، مما حول مكاتب العمل إلى جحيمٍ لا يطاق، وضاعف تكلفة التبريد لهذه المباني ..
إن النمط الشائع من العمارة في العالم العربي اليوم مبتعد تمامًا عن نسيجنا الثقافي، ومهمل للخصوصية البيئية، لايهتم بهوية ولا يبالي بإيجاد حلول لمشاكلنا ..
فعلى الرغم من تكاليف البناء الباهظة لمباني اليوم، وعدم جماليتها الحقيقية، وتطبعها بالشكل الغربي حصرًا، فإن تفكيرنا لم يتجه إلى التراث لمحاولة بناء نموذج حضاري معماري حديث مبني على أصول العمارة العربية والإسلامية مستفيدًا من التقينات الحديثة، رخيصًا في تكلفته، ومؤمّنًا لحلول للمشكلات التي نعاني منها حاليًا ..

استخدم الطين كمادة البناء الأساسية سابقًا، ولاتزال كثيرٌ من القرى والضيع لدينا مبنية على ماكانت عليه منذ أن أنشأت .. مؤلفة من اللبن والخشب ..
لقد سادت النظرة الإبليسية المحتقرة للطين (أنَا خَيرٌ مّنْهُ خَلقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين)، رغم أنّه من الطين خلق آدم وإليه يعود، ويشكّل 74% من قشرة الأرض التي يحتك معها الإنسان يوميًا، وتملك هذه المادة خاصيّة التبادل الحراري، فهي توفّر الطاقة التي يحتاجها المنزل لتدفئته وذلك بعزل الحرارة نهارًا وتخزينها لتشع ليلًا، وهي متوافرة في كل مكان، لا تحتاج لإستيراد ولا إلى شراء .. ورغم أن مليار من البشر محكوم عليهم بالموت المبكّر حسب إحصاءات الأمم المتحدة بسبب سوء المسكن، فلا أحد يبالي بهم، فأين تذهب شركات المقاولات العملاقة، وماذا يفعل ‘مهندسو الديكور’ الذين يتخرجون كل عام ..

حسن فتحي – الذي ورد ذكره سابقًا – هو معماري عربي من مصر، من أكبر الدعاة للعمارة المحلية، كرّس حياته بكاملها لخدمة العمارة الإسلامية، وهو متعدد المعارف بما يقترب من أمثلة عظماء عصر النهضة، فهو أيضًا عالم اجتماع ، تقني واقتصادي وفنان تندر أمثلته في عالمنا العربي، دعا حسن فتحي إلى استعمال مواد البناء المحلية قائلًا ‘انظر تحت أقدامك وابني’ وذلك بما يتناسب مع نسيجنا الثقافي والحضاري، لأننا ‘نبني ونشكّل البيت فيعود فيشكلنا كأفراد، ونحن نبني المدينة فتعود المدينة فتشكلنا كمجتمع’ كما يقول …
وقد لقب فتحي بلقب أحسن مهندس إنشاءات في العالم، من قبل الاتحاد الدولي للهندسة الإنشائية بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى حصوله على جائزة الدولة التشجيعية عام 1959م، ثم جائزة لويس سولوفان الأمريكية ..
صمّم حسن فتحي قرية القرنة غرب الأقصر وقرية باريس بالوادي الجديد في مصر، ومشروع المسيب في العراق، وأخيرًا قرية دار الاسلام في ولاية نيومكسيكو في الولايات المتحدة .. وذلك استنادًا إلى مقولاته وأفكاره المعمارية ..

يعجبني كثيرًا البناء بالطين، فهو بسيط، رخيص، منسجم مع البيئة، وعملي ..
البحث عبر الشابكة يجلب الكثير من النتائج ..
أجمل بيوت الطين حول العالم
موقع بيوت من طين

ما رأيكم ؟