/ منوع

من ابن كثير إلى البوطي: استوصي بالمستبدين خيرًا

“يصلّون خمسًا، ويقتلون ألفًا.. هذه هي حسرة أن هذا الدين لا يمتّ للنبيّ بصلة”. عبد الرزاق الجبران.

مأزقنا الحقيقيّ أننا نأخذ ديننا عن الفقهاء، أولئك الذين تحالفوا مع السلطة مبكرًا، فأنتجوا نسخةً مختلفةً للغاية، عن الإسلام الأوّل.
لنفتح واحدة من صفحات التاريخ العربيّ 1 المبكّر، سنة 63 هجري، ونرى كيف هي حال السلطة الحاكمة، جيوشها، وفقهاؤها:

ففي ذلك العام رفض أهل المدينة مبايعة يزيد بن معاوية، وخلعوه عامله على المدينة وأعوانه، “فأَرْسَلَ يزيد عشرة آلاف فارس، وقيل اثنا عشر ألفا، وخمسة عشر ألف رجل، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار وقيل أربعة دنانير”، وأوصى قائد جيشه مسلم بن عقبة، بأن يمهل أهل المدينة ثلاثة أيام، كي يعودوا لطاعة يزيد، وإلا فليحاربهم، وليستبيح مدينتهم ثلاثة أيام، وهذا ما فعله مسلم، فخيّر الناس ثلاث أيام ثم قال لهم:
“يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ: مَضَتِ الثَّلَاثُ وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لِي: إِنَّكُمْ أَصْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَإِنَّهُ يَكْرَهُ إِرَاقَةَ دِمَائِكُمْ، وَإِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أُؤَجِّلَكُمْ ثَلَاثًا فَقَدْ مضت، فماذا أَنْتُمْ صَانِعُونَ؟ أَتُسَالِمُونَ أَمْ تُحَارِبُونَ؟
فَقَالُوا: بَلْ نُحَارِبُ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا بَلْ سَالِمُوا وَنَجْعَلُ جَدَّنَا وَقُوَّتَنَا عَلَى هَذَا الْمُلْحِدِ– يَعْنِي ابْنَ الزبير- فقالوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ! لَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَمَا مَكَّنَّاكَ مِنْهُ، أَنَحْنُ نَذَرُكُمْ تَذْهَبُونَ فَتُلْحِدُونَ فِي بيت الله الحرام؟”

“ثُمَّ أَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ السَّلَفُ مسرف بن عقبة- قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله– الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ يَزِيدُ،** لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا**، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَشْرَافِهَا وَقُرَّائِهَا وَانْتَهَبَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْهَا، وَوَقَعَ شَرٌّ عَظِيمٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. فَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا معقل بن سنان، وَقَدْ كَانَ صَدِيقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَسْمَعَهُ فِي يَزِيدَ كَلَامًا غَلِيظًا فَنَقَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ.
وأَرْسَلَتْ سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أَنَا بِنْتُ عَمِّكَ فَمُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ لَا يتعرضوا لإبلنا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْدَءُوا إلا بأخذ إبلها أولا.
**كما وَلَدَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ مِنْ أهل المدينة بعد وقعة الْحَرَّةِ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ. وَقَدِ اخْتَفَى جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ **مِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجِيءَ إِلَى مُسْلِمٍ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ لَهُ: بَايِعْ! فَقَالَ: أُبَايِعُ عَلَى سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَخَلَّى سبيله.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ كَمْ كَانَ الْقَتْلَى يَوْمَ الْحَرَّةِ قَالَ: سَبْعُمِائَةٌ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَوُجُوهِ الْمَوَالِي وَمِمَّنْ لَا أعرف مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَغَيْرِهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ”

ليست الواقعة فريدةٌ من نوعها، ربّما هي الأولى على هذا الشكل من الفظاظة والدمويّة: قتلٌ مجانيّ، انتهاكٌ لأعراض النساء، سرقةُ للأموال، واستباحةٌ مطلقة، كل هذا، ولا نزال في العقد الهجريّ السادس، والحاكم الأمويّ الثانيّ.
الذي يستحق الملاحظة، تعليقات ابن كثير على هذه الحادثة (قال أسموه مسرف!! وكأنه أسرف في استهلاك المياه، ويقول عنه “ما أجهله”! و عن يزيد الذي أمر بكلّ ذلك “فلا جزاه الله خيرًا”!!).
وفي مكانٍ آخر يعلّق قائلًا، أن يزيد “أخطأ، خطأ فاحشًا”، ورغم أنه يصفه لاحقًا بالجبّار، ويلعنه إذا ثبت ما قيل في حقه من هجاء الرسول! لكنه يعود لينقل رأيّ جمهور فقهاء زمانه في ذلك، فيقول “وَحَمَلُوا مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ سُوءِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى أَنَّهُ** تَأَوَّلَ وَأَخْطَأَ**، وَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِمَامًا فَاسِقًا، والامام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إثارة الفتنة”، ثم يدافع ابن كثير عن فرح يزيد بما حدث فرحًا شديدًا: ” فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهُ الْإِمَامُ وَقَدْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ، فَلَهُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا أَنْذَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَمُسْلِمِ بْنِ عقبة كما تقدم، وقد جاء في الصَّحِيحِ: «مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ»”

يبدو الدكتور البوطي إذًا سائرًا على نهجة أأمته من علماء الدين الكبار لا غير.

شاهد: خيانة الكهنوت – عبد الرزاق الجبران
————————-
1 البداية والنهاية لإبن كثير، الجزء 8، الصفحة 218 وما يليها