/ المجتمع والواقع

التسمّم بالمعلومات ..

كلما تذكّرت تلك الصورة أصبتُ بالإحباط .. أعني الصورة الموجودة في أذهاننا والمرتبطة بالثقافة والمثقّف، نظريُا وقواعديًا قد لا تكون – هذه الصورة – مصاغة كما يجب، لكنها بالتأكيد موجودة، تحرّك سلوكنا، وتولّد مواقفنا ..
عَمِلت المدرسة – ابتداءًا – على تكوين هذه الصورة، وتبعتها الثانوية والجامعة ..
فالطالب المتميّز هو من ‘حفظ’ دروسه عن ‘ظهر قلب’، ثم استظهرها كما هي في ورقة الامتحان، إنه يعرف ‘الحقائق’ المطلوبة في الامتحان ومتمكّن من استعادتها ..
ولا مشكلة أبدًا مع ‘الحفظ’، المشكلة مع ‘الحفظ لأجل الحفظ’ أو ‘الحفظ وحسب’
المدرسة لا تهتم بمهارات التفكير، التحليل والتركيب والتجريد، لأنّ تنمية هذه المهارات يعني إيجاد جيلٍ جديد واعٍ مثقف قد لا يرضى بالواقع ويعمل على تغييره، بينما توجد المدارس لتدجّن الطلاب وتأقلهم مع الواقع ..
المسجد بعد ذلك يأتي ليكمل الدور المطلوب، عن طريق حلقات ‘تحفيظ’ القرآن الكريم، والله تعالى يقول {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ورغم أن ‘الحفظ’ هنا يأتي بدل ‘التدبّر’ وليس معينًا عليه، فإن هذه الأفعال تعطى هالة قدسيةً لا يمكن لأحد أن يفكّر بنقدها ..
ويحتفل المسجد في نهاية الدورة بأحفظ الطلاب، الذين يلاقون الإعجاب والتقدير من الجميع على ‘حفظهم’ المطلق (أحيانًا حتى بالرقم والصفحة!)، وينظر بقية الأطفال لهذا المشهد ويتكرّس في وجدانهم أهمية ‘حفظ’ القرآن .
لننظر إلى ما يسمى ببرامج المسابقات الثقافية (من سيربح المليون مثلًا)، مجددًا تعمل هذه البرامج على تأكيد أهمية ‘الحفظ’ في تحصيل الجائزة الماديّة، واللذة والهناءة ..
ويبهر الناس بالمتسابقين الذين يمتلكون ذاكرة يخزّنون فيها إجابات كل ما يعترضهم من أسئلة (كم عدد أفلام الممثل الإيرلندي بطيخ؟)، (كم طول الخليج العربي؟) ….

وهكذا سيترسخ في وعي الجميع أهمية مهارة الحفظ والحفظ فقط، في النجاح وتكوين مستقبلٍ مشرق، أكاديميًا (المدرسة والجامعة/حفظ المقررات/الشهادة) دينيًا (المسجد/حفظ القرآن(ربما البخاري أيضًا!)/الشهادة) مجتمعيًا (الإعلام/مسابقات في كل مكان/ جوائز مادية) .. وكما ترون تحوّل الحفظ إلى مفتاح النجاح والمادة ..
واﻵن أظن أن الخطة نجحت، تعالوا بنا إلى مجالسنا في الجمعات والأعياد وغيرها، في هذه المناسبات تُفتح للنقاش مواضيع شتى يشارك بها الجميع …
ستجدون أن الشخص الذي ينصت له الجميع ويعجب به ويسمونه مثقفًا هو الشخص الذي يحشو كلامه بمئة معلومة عن ذلك الموضوع، للأسف حتى ولو لم يقدم وجهة نظر متماسكة (مهارة التفكير) ..
والنتيجة لذلك كله : هي كل ما نراه، لأنه عندما يفسد العقل يفسد كل شيء ..
أكاديميًا .. ستجدنا في ذيل الأمم، لا إختراعات، لا كشوفات، لا مؤلفات، لا منجزات علمية، ولا شيء حقيقي ..
دينيًا .. على الرغم من ألوف حفظة القرآن، فإننا لا نكاد نلمح عالمًا ربانيًا واحدًَا منهم، فضلًا عن أن مفردات مثل التجديد والنهضة لا تكاد تجدها في قواميس من يحفظون مايفترض أنه أنزل لأجل ذلك ..
مجتمعيًا .. سيكون المثقّف هو الأحفظ، عبارة عن موسوعة ناطقة، وستجد إلى جانب هذه الثقافة كل مايفترض أن تهذبه الثقافة، السيجارة التي لا تفارق يده كأبسط مثال .. (الثقافة هي ما انعكس على السلوك، أو كما قال الشافعي فالعلم ما رافقته الخشية)

**الحفظ يعني أن تعرف كيف تجيب على أسئلة من قبيل : **
ما آخر أفلام الممثل الأمريكي فلان ؟ وكم بلغت عائدات الفيلم في البوكس أوفيس خلال الشهر الأول من عرضه ؟
مالمبارة التي حقق فيها اللاعب النرويجي علان هدفين في أول عشرة دقائق على أرض خصمه ؟
كم عدد الكتب التي ألفها طه حسين ؟ أو ما اسم آول كتاب له ؟
ما هي عاصمة بوركينا فاسو ؟
ولا أدري حقًا مالذي يعنيني بكل هذا الغثاء من المعلومات ولمَ أسعى لحفظه واستظهاره؟ وأي شيء سينعكس في حياتي من جراء هذا، وكيف ترتقي أمتي بحفظ المعلومات ..
هذه ليست ثقافة، هذه عبارة عن معلومات لا تقدم ولا تؤخر
(المثير أن برامج المسابقات الثقافية العربية تركّز على كم هائل من المعلومات عن الغرب، تاريخهم وجغرافيتهم وفنّهم ..)

الثقافة، يعني أن تقدر على تقديم إجابة متماسكة على أسئلة من قبيل :
ما أثر السينما وصناعة الأفلام على حياة الناس ؟
ما هو رأيك في ما بات يعرف بصناعة الرياضة، وتأثير ذلك على القيم التي يفترض أن تعمل الرياضة على ترسيخها في المجتمع ؟
ما هي الموسيقى التي تفضلها ؟ ولماذا ؟
ما هي عيوب النظم الديمقراطية ؟
وهذه أسئلة تتطلب أيضًا قدرًا من المعلومات، لكنها المعلومات التي تأتي في سياق وهدف معين، وليست هكذا كأي غثاء، وتتطلب أيضًا قدرًا من الذكاء والخيال والإبداع ..

عندما انقطعت عن الشابكة خلال الفترة الماضية، تعلمت أمرًا مهمًا للغاية، أود أن أشارككم به ..
هذا الفضاء الافتراضي مليء بالمعلومات، إنه طوفان هائل من المعلومات والمزيد منها، ولا يجب أن ننجرف مع هذا الطوفان، وأن نتابعه، لأنه مجرد معلومات لا تغني ولا تسمن من جوع، فقط تعطي بريستيج اجتماعي معين، لكنها في المقابل، تشوش العقل وترهق التفكير، وتشوه ثقافة الإنسان، وتشعره بالضياع والغرق في بحر معلوماتي خطير …
في المقابل فإن القراءة الجادة الواعية في الكتب (أو حتى على الشابكة) تعلم الإنسان أهم مايجب تعلمه : طريقة تفكير سليمة، وهي تورد المعلومات (أو المهم منها) في سياق معين مفيد .
ماذا أفعل بمعلومة خارجة عن أي سياق ..
كنا في جلسة مع بعض الأصدقاء، منذ يومين، فسأل أحدهم هل سورة الشعراء هي أول السور (من ناحية الترتيب) التي ترد بها قصة نبي الله موسى بشكّل مفصّل؟
وانشغل الجميع بالبحث والتذكر والتنقيب ..
وبعد معرفة ‘المعلومة’ تبيّن أنها معلومة وحسب، أي لا تصب في أي سياق أو تدعم أي معنى …
**إن زيادة المعلومات لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة المعرفة والحكمة .. **

يقول المفكّر عبد الوهاب المسيري، رحمه الله: فرق شاسع بين الفكر والأفكار، فالفكر هو أن يقوم المرء بالربط بين الأفكار المختلفة ثم يقوم بإعادة تركيبها داخل منظومة محددة تتسم بقدر من التجريد والإتساق الداخلي، أما الأفكار فهي أن يرصد الإنسان الفكرة تلو الأخرى ويسجلها دون أن يحاول أن يرى الوحدة الكامنة وراء التعدد .. كما يتحدث عن الفرق بين الحقائق والحقيقة ، فالحقائق هي معطيات معلوماتية مادية متناثرة لايربطها رابط أما الحقيقة فهي نتاج جهد عقلي إنساني، يعمل على الربط بين الحقائق ثم تجريد نموذج منها ..

الفكر والحقيقة، تتطلب تنمية مهارات التفكير المختلفة(الربط والتجريد، التحليل والتركيب)، وتنمية الذكاء والإبداع وشيء من الحس الفني والذوق ..
أما الأفكار والحقائق، فهي تعني أن تقرأ نمطًا معينًا من كتب المعلومات السريعة، وأن تغرق نفسك بمتابعة عشرات المواقع على الشبكة، وعشرات الصفحات على الفيس بوك (معلومة طبية كل يوم وأخواتها) …

هذه هي الصورة التي تصيني بالإحباط حقًا …****