/ المجتمع والواقع

في يوم الكتاب العالمي : القراءة رأس الخيط

شؤون وشجون تثيرها قضية “القراءة” في نفسي، رحلتي مع القراءة بدأت مبكرة، لا أعلم متى بدأت على وجه الدقة،** ولكن الذي أدركه تماماً أنها صنعت الفرق ..**
قد تعلم وقد لا تعلم بأن مدونتي أصلاً تهتم بشأن الكتاب والقراءة، هل تنتظر مني اليوم القول انه في بريطانيا يتم توزيع (2000) كتاب لكل مليون مواطن. في مصر يتم إصدار (17) كتاباً لكل مليون مواطن، أم أن الاحصاءات والارقام حاضرة في ذهنك ..
البعض منا لم يقتنع بعد بجدوى وأهمية أن يقرأ (!!!) *
بعد صمت لمدة ستة قرون كاملة … نزل الوحي .. ونطقت السماء … قالت “إقرأ”
كلمة السر ومفتاح التفوق والنجاح في الدنيا والآخرة نطقت بها السماء وجهرت بها عقيدةً مدوية، إنها كلمة السر التي اعتدنا أنها لا تفتح إلا أبواب الكهوف المملؤة ذهباً، لكنها اليوم تفتح أبواب العلم والمعرفة،..
هكذا ببساطة شديدة ودون تشنجات فقهية : القراءة هي أول فرض فرض على أمة الإسلام … “إقرأ” فعل أمر .. قبل الصلاة والصيام … إقرأ.
والحديث عن علاقة الإسلام بالعلم بات حديثاً مكرراً استهلكت فيه المعاني ونفدت، وهو حديث يرتكز على الاستشهاد بعدد من الآيات القرآنية التي تشيد بالعلم والعلماء، وعلى كثرة تكرار لفظة علم ومشتقاتها (البالغة حوالي 439 مرة) في القرآن الكريم – ليستنتج أن الإسلام (حث) على العلم، وأن هذا الحث هو التغيير المنطقي للطفرة العلمية التي أنجزتها الحضارة الإسلامية..
للوهلة الأولى، تبدو مقدمات الاستشهاد ونتائجه صحيحة. لكن عندما يفكر المرء أن الوحي الإلهي بدأ بـ {اقْرَأْ} فإنه يقر أن الأمر أكثر من مجرد حث، وأن الطفرة العلمية الإسلامية أكثر من مجرد استجابة لهذا الحث.
عندما يبتدئ الوحي بـ {اقْرَأْ} فالأمر أكثر من الاستحباب وأكثر حتى من الوجوب . إنه يقع في منطقة خارج التقسيمات الاصطلاحية التقليدية – ويقع في منطقة عميقة جداً في البناء الإسلامي: في الأساس، في الأركان ، في القاعدة. وهذا ما كان واضحاً، دونما تنظير فكري – بل واقعاً يومياً معاشاً لأفراد الجيل الأول، وهو الذي شكل الدفعة العلمية الكبرى التي أنجزتها الحضارة الإسلامية.. أما أن نتصور أن (الحث) والأوامر الإسلامية بطلب العلم، قد حققت ذلك الثواب، وتلك الطفرة – فهو أمر أقرب إلى السذاجة منه إلى النظر والتحقيق العلمي. لقد كان الإسلام لغة جديدة.. روحاً جديدة.. مضموناً جديداً بصياغة جديدة للعلاقات الإنسانية بعضها مع بعضٍ ومع الله.. وكانت المفردة الأولى التي تكونت في هذه اللغة الجديدة، بالأبجدية الجديدة، هي كلمة {اقْرَأْ}.
الاحصاءات تقول بأن ربع مليار مسلم بالغ عاقل أمّي لا يعرف القراءة، إننا متخلفون. نعرف هذا ونقر به. ولكن اعترافنا هذا لا يلغي تخلفنا، ولا يوضح أسبابه، ولا يقلل من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، مسؤولية المفارقة المتولدة من أننا ندين بدينٍ كان أول ما أنزل منه: {اقْرَأْ}.
الآيات الثلاث نفسها التي أنزلت أول مرة في الغار، كانت تحمل إشارة إلى خلق الإنسان من علق. والعلق مضغة الدم، وهي طور من الأطوار الجنينية التي يمر بها الإنسان، وقد ذُكِرَتْ هذه الأطوار بتفصيل أكبر في آيات أخرى من سور مختلفة. لكن موقعها هنا بعد {اقْرَأْ} مباشرة، وقبل {اقْرَأْ} مباشرة، يثير الانتباه والتأمل، للوهلة الأولى – على الأقل.
لكن لا عجب، فالعلقة دور من أدوار التطور التي يمر بها الإنسان – إلى أن يصير إنساناً، بالضبط كما تمر بقية المخلوقات بأدوار وأطوار تختلف أو تتشابه مع الأطوار الإنسانية بحسب موقعها من خارطة الخليقة: القطة والكلب والفيل والنملة وحتى الديناصور، مروا جميعاً بأطوار معينة – مثلما مر الإنسان.
لكن
* تطور الإنسان لا ينتهي بانتهاء هذه الأدوار الجنينية، كما ينتهي تطور بقية الحيوانات**. إنه لا يكتمل إنساناً إلا بخطوة أخرى.. بطور آخر.. وبينما يمر الإنسان بتلك الأطوار السابقة بالرغم عنه – كما تمر الحيوانات الأخرى بها. فإن هذا الطور الأخير لا يمر إلا بإرادته ووعيه، إنه يختاره أو لا يختاره. يكمل درب التطور، أو يظل حيث هو.
وهذا الطور، بل هذه الحرية في الاختيار، وتسليم الوعي والإرادة لهذه المسؤولية هو أول ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات.
وهذا الطور هو الوعي ذاته. إنه {اقْرَأْ} التي تحاصر الإنسان – العلقة في الآيات الثلاث الأولى التي أنزلت في الغار.
{اقْرَأْ} هي الطور الإنساني الأخير الذي به يكتمل تطور الإنسان – ويتميز من بقية المخلوقات.
إنها الحلقة المفقودة التي طال البحث عنها – في تطور الإنسان – وهي موجودة لا في الحفريات وعظام الجماجم القديمة، وبحوث الأنثروبولوجيا. إنها موجود في وعيه. في عقله. في قراره بأن يكون إنساناً.. والذي لا بد أن يمر بـ {اقْرَأْ}.
من منا لا يبحث عن النجاح وتحقيق الغايات والدرجات العليا .. أن يكون قريبا من الله، متميزا في علاقاته مع الناس، روحه طيبه، ونفسيته صافية عذبة، البعض يبحث عن المال والشهرة، عن العلم والتفوق، عن التميز والظهور، البعض يدرك عمق تخلفنا ولا يدرك كيف نخرج؟ وكيف نحقق كل ما نريد؟ كيف نعيش حياة أفضل ؟؟؟** رأس الخيط … القراءة ..**
لا نهضة من غير علم وثقافة … ولا علم وثقافة من غير قراءة … احفرها في ذهنك … على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع …
البعض سيتعلل بالمال و (الحال على قدا) …. والبعض الآخر سيتعلل بالوقت ( مافي وقت) والبعض والبعض … ما يريحني هو ادراكي العميق ان هؤلاء يعلمون في قرارة أنفسهم أن ما هذه الإ حجج يبذلونها أمام الآخرين ….
عندما أراد الله أن يخلق سيدنا آدم لخلافة الأرض مكنه بالعلم أولاً (وعلّم آدم الأسماء كلها) .. في قصة ذي القرنين ملك الأرض (وأتيناه من كل شيء سببا) إنه يعلم الأسباب والمسببات ويعلم كيف يربط بينهم .. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا بأن الفرض الأول الذي أنزل عليه كان “اٌقرأ” .. إقرأ في كتاب الطبيعة من حولك، إقرأ في كتاب النفس الإنسانية، إقرأ في الكتب، إقرأ في مشاعرك، إقرأ في تجاربك .. إقرأ
لا تمكين للفرد أو للمجتمع من غير علم ….
ولعل ان شاء الله اضع قصتي مع القراءة عسى أن يستفيد منها البعض والسلام عليكم …
معظم الأفكار الواردة هنا مقتبسة من كتاب “البوصلة القرأنية” للدكتور أحمد العمري ..