/ الدين السائد

رحلتي من النصّ إلى الوجود 2

تحدّثت في تدوينة “رحلتي.. من النصّ إلى الوجود” عن «أكثر التغييرات جذرية وعمقا التي تعتمل في داخلي هذه الأيام، فكرتي ومفهومي عن الله، الدين، والمعنى الوجودي للحياة»
وقمتُ بسرد مبسّط لهذه الرحلة التي أكاد أكمل معها عامي العاشر، والتي بدأتْ مع الالتزام الدينيّ التقليديّ (ممثلًا بإقبالي على قراءة كتب سعيد البوطي والقرضاوي وغيرهما)، ثم كان التحوّل الأوّل مع تيار النهضة التجديدي (ممثلًا له أفكار أحمد العمري لا سيما كتابه البوصلة القرآنيّة، وغيره) الداعي إلى الانفكاك عن التفسير الرسمي للنصوص الدينيّة، ومحاولة قراءة النصّ الديني بعيون جديدة.
المحطة اللاحقة ستكون مع عدنان إبراهيم وفكرته الداعية إلى تحكيم القرآن فقط لبناء التصورات الإسلاميّة الصحيحة، وجعل القران حاكمًا على صحّة نصوص السنة النبويّة.
بعد ذلك كان تعرفي على فكر محمد شحرور الذي قدّم رؤية أكثر تماسكًا ومنهجيّة لاعتماد النصّ القرآني كمرجع وحيد لبناء معالم الدين، أقول أكثر منهجيّة وأكثر جرأةً أيضًا.
عبد الرزاق الجبران شكّل المحطة الفارقة التالية، والتي قدّمت للمشكلة التي كانت مطروحة أمامي آنذاك، حلًا جديدًا وجريئًا، فإذا كنا سنحاكم نصوص السنة النبويّة إلى القران، فإلى ماذا نحاكم القران؟ أقصد ما هو المعيار الذي ينبغي إتباعه لاعتبار تفسير ما للنص القرآني مقبول، وتفسير آخر مرفوض.
قدّم الجبران “الوجود ولوازمه” كحلّ لهذه الإشكالية، إشكالية تسخير النصوص الدينية لتحقيق غايات ومقاصد ومعاني لا إنسانيّة من قبل الكهنوت، فما خالف المعنى الإنساني لا يمكن أن يوافق الدين، يقول الجبران، وبعبارة أخرى فإنّ المحصلة النهائية للعودة إلى الوجود هي الخروج من دائرة النصّ وحاكمتيه في تشكيل التصورات وتحديد السلوكيات وتفصيل المعايير.

في تلك الفترة تحدثت منتقدًا عن اهتمام الكهنوت بـ(صحّة) الفكرة الدينيّة، مقابل ما قد تخلقه من أثر ومعنى عند معتنقيها: «كل فكرة دينية – مهما كانت… يمكنها أن تخلق إنسانا حقيقيا كما يمكنها أن تخلق إنسانا مزيفا.. فليس المدار على الفكرة بل على أثرها.. لا تقل لي ما هي فكرتك عن اليوم الآخر، أرني سلوكك فحسب.»
فإذا كان المرء يسلك بشكلٍ طيب وفق معتقده الخاص، فلمَ أحاول تغيير هذا المعتقد، طالما أنه يفرز عنده إنسانيّة يُحتذى بها، فإذا كان هدف المعتقد تصحيح السلوك، فإننا نرى الألوف المؤلفة ممن لا يوافقونا المعتقد؛ سلوكهم أكثر صحّة ونفعا ممن يدعون أنهم يمتلكون المعتقد الصحيح. أما إذا كان هدف الأديان هو نشر المعتقدات لا غير، فأي فارق بينها وبين الأحزاب الشموليّة الأخرى؟ بل إنه لأجدى بنا عندئذ أن ندعها جملةً وتفصيلًا.
وهكذا اكتشفتُ أنه لا وجود لمنطق مفارق (منطق غير ديني) قادر على خلق معايير للصحة يمكن من خلالها تصنيف هذا المعتقد أو الدين أنه حق سليم، والآخر أنه باطل وكفر، هذا شيء مشابه لقول بن عربي:
“لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني”
و«الحبّ» هنا ألصق لوازم الوجود وأخص تجلياته.

هذا المنطق الصوفي الذي يعبّر عنه بن عربي (وغيره من متصوفة الإسلام)، في اتخاذ مسافة واحدة تجاه الأديان أيًا تكن، إبراهيميّة أو وثنيّة وغيرها، ينطلق من تصورات ضمنيّة، لا يستقيم القول به من دونها:
– أولها أن النصوص الدينيّة لهذه الأديان ليست نصوصًا مقدّسة (بمعنى أنها لا تعبّر عن الحقّ المطلق) إذ إن هذه النصوص يخالف بعضها بعضًا بشكل واضح الصراحة، بل وكثيرٌ منها يكفّر الآخر.
– عدم قداسة النصوص بمعنى أن ما فيها ليس هو الحق المطلق، يقتضي أنها لم تصدر عن الحق المطلق.
– عدم صدروها عن الحق المطلق، يستلزم واحدًا من قولين، إما أنها صدرت عنه ابتداء ثم سرعان ما زوّرت، والآخر أنها لم تصدر عنه أصلًا، بل هي مقاربات بشريّة لقضايا اللاهوت والمجتمع.
– وأيًا يكن الاحتمال الراجح هنا، فإن المفاد واحد، وهي أن هذه النصوص لا تلزم المرء بشيءٍ حيالها، بل هي كما كلّ النتاج البشريّ الفكريّ والأدبي، تُقارب نقدًا واستحسانًا.

وهذه الضمينات يمكن استشفافها من بعض مقولات بن عربي الأخرى، كقوله:
“ألا إنَّ وحيَ اللهِ في كلِّ كائنِ .. من الصخرِ والأشجارِ والحيوانِ
وفي عالمِ الأركانِ في كلِّ حالة ٍ.. وفي أنفسِ الأفلاكِ والمَلَوانِ
وقد نزلتْ أملاكه من مقامِها .. ليلقاه منها بالتقى الثقلان”
إن إعادة تقديم مفهوم آخر للوحيّ الإلهي في الشطر الأول من هذه الأبيات، لهو انقلاب على كل السائد الديني الإسلامي (بكل تياراته التقليديّة والتجديديّة).

الوحي حسب التعريف الديني:
هو “كلام الله الملقى إلى أنبيائه ورسله”، وهكذا يكون الوحي ظاهرة خارجيّة، لا دخل للنبيّ بها، وهذا التعريف مبني على إعتقاد أن الإله – كما تقدمه الأدبيات الدينيّة للأديان الإبراهيميّة – مفارقٌ للكون.
إنه “وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. حق صُراح، ليس فيه باطل ولا شك، لا يعدّل، ولا يبدّل، ولا يغيّر, ولا يطوّر، ولا يحذَف منه، ولا يضاف عليه، مستحيل أن يكون في الوحي الإلهي سواء أكان نصاً ومعنى كالقرآن الكريم، أو معنى كالحديث الشريف، إلا أن يكون هذا الكلام حقيقياً وحقاً مئة بالمئة, لأن الموحي هو الله وهو علام الغيوب” *
فالوحي هنا ظاهرة لا بشريّة، لنقل كلام لا بشريّ، معصوم، يحمل الحقيقة المطلقة الصواب.

الوحي حسب الفهم الصوفي:
الطرح الصوفي يخالف بشكل كامل كل ما سبق، وإن لم يملك دائمًا جرأة التصريح الكاملة، لأسباب تتعلق بحساسيّة الوضع الديني في عالمنا العربي، فالوحيّ عندهم “في كلّ كائن” كما يقول بن عربي، وهو طرح يتوافق مع الإيمان بوحدة الوجود، فباعتبار المتصوفة لا يؤمنون بإله مفارق، فكيف سيكون هناك وحيّ منفصل عن الإنسان؟ فضلًا عن أن يكون معصومًا أو لا؟!
من هنا يمكن أن نفهم قول المتصوفة، أنهم يأخذون علمهم “عن الحي الذي لا يموت” (أي عن قلوبهم المُلهمة من الله) بينما تأخذه باقي التيارات الدينية “ميتا عن ميت” (في إشارة إلى أسانيد الدين، فلان عن فلان)، ووفق أسّ الحيّ الذي لا يموت هذا، لا يبقى معنى للشريعة الكلاسيكيّة.
يقول الشوكاني تعليقا على بن عربي: «فالرجل وأهل نحلته مصرحون بأنهم أنبياء تصريحاً لا شك فيه، بل لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا أنفسهم أعظم من الأنبياء»
والشوكاني قدم فهمًا دقيقًا للمتصوفة، الذين لا يرون في الإله كيانًا مفارقًا عن الوجود، وبالتالي لا يكون الوحي حكرًا على الأنبياء والرسل، بل عامًا للبشر كلهم، بل للكائنات أجمعين، وهكذا يكون الوحي هو صوت الصفاء والنقاء الداخلي، لكن وفي نفس الوقت لا يمكن أن يظهر منه الحق المطلق لأنه تجربة بشريّة في نهاية المطاف.

وعند هذا الفهم يمكن أن نرى أن الطرح الصوفي في نسخته الأولى عن وحدة الأديان كان أقرب ما يكون إلى الطرح اللاديني المعاصر، القائل ببشريّة الأديان، وأن النصوص الدينية هي نصوص بشريّة لا تعبّر عن الحقيقة المطلقة.

الخروج عن النصّ هو العتبة، لكن بعد تجاوز العتبة هناك آفاق مفتوحة، وفضاءات واسعة، علنا نقف عند بعضها لاحقًا.