/ كتب قرأتها

نقلة واحدة قد تحدد مصيرك ... كش ملك

مقتطف من كتيب “كش ملك” ضمن سلسلة “ضوء في المجرة” للدكتور أحمد خيري العمري

حياتنا ما هي إلا ملحمة شطرنج كبرى؛ شيقة وشاقة، نقضيها دون أن ندري، ونحن نحرك الجنود والخيول والقلاع ندافع عن ملكنا أو نضحي به ..
في كل ساعة، في كل لحظة من كل يوم هناك تلك الرقعة المربعة الملأى بلوني الحياة الأساسين (الأسود والأبيض) وهناك الجنود يتدافعون ويموتون، والقلاع تحاصر وتتهاوى، والخيول تتراكض والفيلة تهاجم، والوزير يصول ويجول .. والملك يقف مأسوراً، مذعوراً أو مبهوراً منتصراً، إنه مثل الملوك المعاصرين، يملك ولا يحكم، لا يملك من أمره شيئاً ..
تقول : إنك لا تحب الشطرنج؟ لا خيار يا صديق، لا خيار.

يقولون : تكون اللعبة شيقة إذا كان خصمك ماهراً ..
أخبرك الآن، إن خصمك ماهر .. أكثر ما تتصور بكثير، تستطيع أن تقول إنه أول من لعب أول لعبة شطرنج في التاريخ كله. إنه من وضع قواعد اللعبة وأصولها .. والمشكلة معه؛ أنه ليس خبيراً في أصول اللعبة فقط، ولكنه عادة يكون خبيراً فيك، انه لكثرة ما لعب عبر التاريخ وتمرس بمعرفة ما يدور في بالهم، فصار يعرف النقلة التي سينقلون والحركة التي سيتحركون، فينصب لهم الفخ الذي فيه يسقطون ..
إنه يعرف خصوصياتك كلها، يحفظك تماماً، وعندما ينظر إليك، وأنتما متواجهان وأنت مطرق تفكّر في نقلتك القادمة، فإنه يسبر أغوارك يجوس في مغاراتك، يتجول في مجاهلك .. وقبل أن تقرر النقلة القادمة، يكون قد قررها هو نيابة عنك!
لقد قلت لك : إنه ماهر جداً، خصمك هذا …

والمسألة بالنسبة إليه أكثر بكثير من مجرد لعبة، أو هواية، أو حتى احتراف.
لقد قضى حياته كلها – وسيقضي ما تبقى منها – وهو يلعب هذه اللعبة، نتيجة لرهان تورط به، وقسم أقسمه في مطلع حياته منذ دهور بعيدة.
إن لعبة الشطرنج بالنسبة إلى خصمك مسألة حياة أو موت ..
وأداؤه يكون على هذا المستوى : حياة أو موت ..

لعلك عرفته الآن .. إنه ذاك اللعين الذي طرد منها ذات مرة في دهر بعيد، وأقسم على الله – بعزته – أنه سيحرص على طردنا منها أسوة به .. وانتصر خصمنا على أبينا في أول ملحمة شطرنج عرفها التاريخ.

يراهن خصمك دوماً على نقلة أساسية تنهي اللعبة من أساسها لمصلحته، وهذه النقلة هي نقلتك، وهي بسيطة جداً لكنها حاسمة جداً .. في الحقيقة إنك لا تفعلها أصلاً؛ بل كل ماتفعله أنت أنك لا تفعل شيئاً، ربما أنت لا تعرف أن اللعبة بدأت، إنها بإختصار … الغفلة ..

على الرقعة المربعة، يقف جنود إبليس مستعدين ليؤدوا دوراً أدوه من قبل ألوف السنين، وسؤدونه إلى ما شاء الله، مادام هناك على هذه الأرض ذكر .. وهناك أنثى ..
ومنذ أول ذكر، وأول أنثى، وجد إبليس مدخلا للإنسان عبر مفتاح يملكه هو، موجود في داخل الإنسان … لكن إبليس يجيد اللعب على أوتاره والعزف على أنغامه بشكل يجعل هذا المفتاح جاسوساً مأجوراً في داخلك لمصلحة إبليس التعيس ..

عبر القرون المتطاولة من الخبرة المتراكمة، تحولت الشهوة التي كانت أصلاً قد أُعدت كفخ من أجل الاستمرار والاستنسال، إلى فخ من أجل السقوط، لقد أحسن إبليس استغلال هذه الشهوة ..
كيف أحسن استغلاله؟ لا جواب، امش في الشوراع فقط، انظر عن يمينك، وعن شمالك، ومن امامك، ومن خلفك، (بالضبط كما وعد، بالضبط كما وصف) …

هناك ذلك الاحتراف المتوراث في الغواية، هناك تلك الأساليب الخفية، ذلك الغنج المزيف ولكن الشهي، وتلك التأوهات والتميعات المصطنعة والتي توحي بذلك الخضوع الذي يشتهيه كل الذكور في السرير، وهناك تلك الأساليب التي تجعل حتى المستور مكشوفاً، بل وتجعل المستور ذاته مرغوباً أكثر مما لو كان مكشوفاً، وفوق ذلك كله : إن في عروقك لا يجري ماء، بل دم يغلي، دم يفور ..

ويسيل في داخلك ذلك الصهيل، وتجري في عروقك تلك الشهوات، تريد أن تنطلق .. تريد أن تجري .. تريد أن تثور، ورغم أن حليبك أصلاً طهور، إلا أن في عروقك لا يجري ماء، بل دم يغلي ويفور ..

ذهب رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يشكو حب الزنا، ويطلب منه أن يعطيه رخصة بذلك، وواجهه عليه أفضل الصلاة والسلام بذلك المنطق البسيط الآسر، الذي سنظل مأسورين فيه وغير قادرين على تجاوزه، قال له : أفترضاه لأختك؟ أفترضاه لأمك؟
أجابة الشاب بالإجابة نفسها التي سيجيبها أي منها بسرعة .. لا طبعاً …
فيجيبه عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فالناس كذلك لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم …
لكن بما أن الشهوة احيانا لا منطق لها، فإن ذلك المنطق لم يكن كل شيء، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام وضع يديه الشريفتين على قلب الشاب ودعا له، فما رفعهما حتى كان حب الزنا قد رفع من قلبه تماماً …

ذلك الشاب أراه اليوم قد بعث في المئات، بل الآلاف، بل الملايين من الشباب الذين يسيرون في الشوراع، ويجدون أنفسهم قد حوصروا عن اليمين وعن الشمال ومن الأمام ومن الخلف، إنهم ليسوا عصاة كلهم، بعض منهم يصارع وبعض منهم انتصر، وبعض منهم سقط تماماً في الفخ، أغلبيتهم لم يحترقوا تماماً وما زال فيهم أمل، والأغلبية الغالبة منهم لا ترفض الدين ولا تكفر بالله، بل انهم يتمنون لو استطاعوا التوفيق بين شهواتهم وطاعتهم، بالضبط كما جاء ذلك الشاب يطلب الرخصة …

ورغم ما قد نقوله لهم (أفترضونه لأخواتكم .. الخ) لكن فالنعترف أن الشهوة لا منطق لها، وعندما يسيطر ذلك الشيء، متوترا، مستفزاً، عنيداً، لحوحاً فإن المسألة الوحيدة التي يمكن التفاوض عليها هي كيفية تهدئته … وبأية وسيلة …

يا صديق، يا من يصارع ذلك الألم المرير، ألم البركان العضلي الذي يريد أن ينفجر ولكن يظل مكبوتاً حبوساً في الداخل … وتسألني أين تذهب بوجهك؟؟ أقول لك أين …

كثيرون وكثيرات دخلوا شقتك أيها الصديق، وأيادٍ كثيرة لمست أماكن مختلفة من جسمك، بعضها لأسباب الفحص الطبي، وبعضها بشكل بريء تماماً وبعضها الآخر ….
ذاك الشاب الذي ذهب إلى الرسول يطلب منه رخصة للزنا، أحسه قادماً من زماننا، أحسه واحداً من أولئك الملايين من الشبان المطحونين الممزقين بين رغباتهم ونوازعهم الدينية، أتأمل فيه؛ إنه واحد من شبابنا، طيب أصيل، وفي عروقه لا يجري الماء، بل دم يغلي ويفور … أتأمل في يدي الرسول عليه الصلاة والسلام وهي تمس قلبه .. وتغيره إلى الأبد … وتسألني يا صديق : أين تذهب بوجهك ؟

دعه يدخل شقتك .. لا، لا تفرش السجاد الأحمر، ولا تحاول تجديد الأثاث فرحاً به … إنه أبسط ولكن أعمق من ذلك، دع المكان يتشرف به، دعه ينور، ويسطع بالأنوار فجأة.
دعه يحتل المكان بحضوره الطاغي البهي .. دعه يهيمن على التفاصيل كلها .. دع حضوره الساحر المؤثر يأسر المكان ويأسرك، ويطلق سراحك داخل حضوره الكريم …
سيختار مكاناً ليجلس فيه على الأرض .. اذهب إليه، اجث على ركبتيك، واجلس أمامه.
ارفع وجهك قليلاً، وانظر إليه، لا ؛لا داعي للتفاصيل ان حضوره أكبر من كل التفاصيل، وسيبدو وجهه مألوفاً بشكل غريب، كما لو أنك رأيته من قبل، لا ، لا تفاصيل، لكن عيناه ستكونان واسعتين كما لو كانتا تسعان الكون بما رحب، وتسعان في هذه اللحظة ذاتها كل الشبان الحائرين الممزقين المطحونين.

وجهه السمح الحنون يكاد يكون قارة من الحنان والعطف، وابتسامته الرقيقة العذبة تخطفك من أي مكان أنت فيه ضائع، هذه المرة لن يقول لك : أفترضاه لأختك ..
إنك أسير فعلاً داخل هذا المنطق، وما يعذبك هو كون الشهوة – لحظة الشهوة – لا منطق لها ..
وما يعذبك هو هذا البركان الذي يريد أن ينفجر، وذلك الألم العضلي اللحوح، أغمض عينيك، ستحس بيده تمتد نحو صدرك، ستشعر بلمستها تحت ثديك الأيسر تحديداً، كثيرون لمسوك من قبل، لكن شيئاً مثل هذا لم يحدث من قبل .. تشعر بلمسته أكثر وأكثر، تحسها تتوغل في أعماقك نحو قلبك …

تحسها تتوهج وهي تخترق الشغاف تلو الشغاف، استشعر ذلك الدفء الذي يسري من لمسته، من أصابعه الكريمة، وأغمض عينيك … استشعر ذلك الارتخاء المريح الذي يدب في عضلاتك وأعصابك لها .. لقد احتواك تماماً … وفجأة تتدفق دموعك من عينيك، كل ما تريده هو أن تحتضنه، أن تجهش بالبكاء على حضنه، مثل يتيم اعادوا إليه حضن أمه بعد موتها البعيد

تجهش بالبكاء عند حضنه، بينما يحوطك بذراعيه وبيديه الكريمتين .. يربت بهما على رأسك المثقل، وصدرك المكبوت .. وقلبك الذي لمس أعماقك .. أستشعر ما يحدث عن بعد؛ إذن يا صديق لم يكن بركان سموم فحسب، ولكن بركان هموم أيضاً .. إنك مهموم يا صديق، مهموم ومهزوم ومكلوم، ومكبوت .. وتحتاج إلى أن تجهش بالبكاء عند حضنه الكريم .. فلتغسل دموعك قلبك وجوارحك ..

على يديه فلتولد من جديد، وتخلق من جديد … وتبعث من جديد
من بعد أسمع شهقة، لا أدري إن كانت شهقة بكائك أم ولادتك أم شهقة احتضار يتحشرج بها إبليس عند تلك الرقعة المربعة، وتسألني : أين تذهب بوجهك؟ أقول لك : صوبه.

ثم التفت إلى إبليس واهمس في أذنه : كش ملك أيها الشيطان الرجيم …