/ المجتمع والواقع

كتاب في جريدة - الثراء والحشو

تصفحتُ قبل قليل موقع “كتاب في جريدة“، أذكر المرة الأولى التي تعرّفت فيها على المشروع نهاية 2008، في تلك الفترة داومت على شراء بعض الصحف المحليّة بشكل متكرّر كمصدر للقراءة والثقافة، كجريدة “الثقافة” لصاحبها مدحت عكّاش، وهي من الصحف الخاصة القليلة التي لم يكن أحد ليلتفت لها، حصلت “الثقافة” على موافقة نشر منذ عهد الوحدة بين سوريا ومصر، وحافظت على صدورها الأسبوعي بمواضيع أدبية وثقافية منوّعة حتى وفاة صاحبها 2011 والملّقب بعميد الثقافة السورية، للأسف ليس للجريدة موقعًا على الإنترنت ولم أعثر على أي صورة لها!
ضمن باقتي هناك أيضًا جريدة الرقميات المولودة عام 2006 والتي حرصتُ على متابعتها كذلك بما تسمح به ظروفي آنذاك، من الجميل أنني حصلتُ اليوم على فرصة لإلقاء نظرة جديدة على مقالات الأستاذ رشاد أنور كامل – رئيس التحرير، والذي كنتُ أستمتع أيما استمتاع بما يكتبه.
إلى جانب هذه الصحف كنت أشتري أحيانًا إحدى الصحف الرسميّة، وهي عادة تعلمتها من زياراتي المتكرّرة صيفًا لعيادة عميّ، حيث كان مداومًا على قراءة جريدة تشرين الرسميّة كل يوم، يشاركني ما يعجبه طالبًا مني قرأته أو يناقشني بعناوين أخرى لا يتفق معها.
في ذلك الوقت كان عمري ربما في الثالثة أو الرابعة عشر، إلا أنني أتذكر تمامًا جديّة عمي في نقاشاته وحواراته معي، كان يشعرني بأني “رجل كبير” له رأي يُسمع ويُناقش، أتذكر الآن تلك الزيارات الرائعة، في عيادته التي تغصّ بمراجعٍ ألمانيّة لا يكفّ عن مراجعتها، أجلس أمامه لنشرب الشاي أحيانًا، ونتناقش دائمًا، وما إن يدخل إليه أحد المرضى حتى أمسك الجريدة وأخرج إلى غرفة السكرتارية الفارغة، أقرأ وحدي ثم أعود لأناقشه.
كنتُ أقول أنني اكتسبتُ من ذلك رغبة شراء “تشرين” تلك، أحيانًا لا أجد عدد اليوم فأشتري عدد الأمس 🙂 أعود إلى المنزل فرحًا بها، كان أهلي يستغربون ويستنكرون أن يشتري أحدهم جريدة يوم فائت بأخبار ميّتة! لكن هل فعلًا يموت الخبر بمجرّد مضي 24 ساعة على صدوره؟ لم أكن أطرح على نفسي هذا السؤال لأنني أصلًا لم أكن مهتمًا بقراءة الأخبار الواردة في الصحيفة، بل أطّلع على الصفحات الثقافية والأدبية وأتمتع بقراءتها.
الذي هالني في أحد المرّات حصولي بخمس ليرات فقط على صحيفة تشرين إضافةً إلى ملحق هو الأكبر في حجمه (دائمًا ما كنتُ أزين السعر مقارنةُ مع عدد الصفحات، وأشتري الدورية بناءً عليه، وهكذا تعرّفت على مجلة العربي التي كانت تباع بثلاثين ليرة وتضم 240 صفحة! كانت ثروة قراءةٍ حقيقية)، كان الملحق بعنوان “كتاب في جريدة”. تلألأت الدنيا في عيوني وأنا أعيد قراءة العنوان وأعجبتني الفكرة للغاية: كتاب! في جريدة! ومجانًا!
كان الكتاب بعنوان “حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية” للدكتور عبد الله الغذامي، وأظن بأنّه أول كتاب فكري نقدي اقرؤوه وأفهم منه أجزاءً لا بأس بها (لم أكن أهتم كثيرًا لمسألة فهم ما أقرأ، كنت أعتبر أن فهم بعض الأسطر من مقال أمر ممتع)، كما فتح وعيّ على أنّ الواقع الذي نعيشه ليس ورديًا وأن لدينا من المشاكل الفكرية والاجتماعية الشيء الكثير.
لأسباب لا أدريها انقطعت عن مشروع كتاب في جريدة بعد عدّة أشهر من متابعته فقط، ربّما بسبب العناوين المختارة التي لم تكن لتستهويني (كثيرٌ منها كان في الأدب، والشعر تحديدًا)، لكنّ فكرة المشروع المُذهلة لا تزال حاضرةً عندي بقوّة.

في وقتٍ لاحق، وتحديدًا في تشرين الثاني من عام 2011 توقف المشروع دون توضيح أسباب، مع ترجيح دور الأحداث السياسية والثورات التي عصفت بعدّة أنظمة وبلدان عربية وشتّتت أخر الجهود العربية المشتركة، بعد أن أثمر المشروع عن طباعة 159 كتاب بما يزيد عن ربع مليار نسخة إجمالية وزّعت مجانًا للقارئ العربي، وهو بذلك يُعتبر من أكبر المشاريع الثقافية العربية الطموحة بالتأكيد.

أقف متأملًا أمام مشروع بحجم (كتاب في جريدة) لإثراء المحتوى العربي، ومقارنًا مع مشاريع أخرى اليوم تغزونا بشعارات إثراء المحتوى على الوِب، وهي تُمطرنا يوميًا بمقالات من قبيل (خمسة أخطاء قاتلة عليك الابتعاد عنها في مشروعك، 5 حقائق لتعرفها حول مشروع قناة السويس، 5 أفلام رسوم متحركة بمضامين سياسية عليكم مشاهدتها – وهي عناوين حقيقية مأخوذة من أحدث مواد نشرتها ثلاث مواقع مختلفة!).
العشرة أخطاء، والسبع ملاحظات، والخمس نصائح، والثلاث أفلام، والشتيمتين اللواتي في قلبي الآن…
إذا كان المحتوى العربي منذ عدّة سنوات يعاني من ظاهرة النسخ واللصق وتكرار المحتوى، فهو اليوم يعاني من مشكلة تأخذ في التبلور والتجذر شيئًا فشيئًا وهي ظاهرة الحشو والهذر، وخلق المحتوى من اللاشيء.
يكفي هذا اليوم 🙂