/ #عقلانية 

كأننا والماء من حولنا، قومٌ جلوسٌ حولهم ماء

تنتشر على الإنترنت صورة لثلاث أشخاص متفاوتي الطول، يقفون وراء سور خشبي بينما يتابعون مجريات مبارة لكرة القدم. الصورة تعرض لقطتين لذات المشهد. في الأولى يقف كل واحدٍ من هؤلاء الأشخاص على صندوقٍ خشبي، وفي الثانية تُستخدم الصناديق فقط للأشخاص الأقصر بما يمكّنهم من متابعة مجريات المبارة كما يتابعها قرينهم الأطوّل. تُرفق هذه الصورة (وتنويعاتها الكثيرة) للتنبيه إلى الفرق بين العدالة والمساواة. تقول الصورة أن توزيع الصناديق بالتساوي بين الأشخاص لن يعطيهم ذات الحق بالمشاهدة، بينما يضمن العدل بينهم ذلك. يا للروعة يا للروعة!

في السابق كنتُ أتحمس للقراءة عن والنقاش في؛ المسائل الفلسفية الكلامية البحتّة (بالطبع لم أكن أُسميّها كذلك). أقصد ذاك النوع من المسائل التي لا يبقى لها مضمون جدّي بين يومي الإثنين والجمعة على حد تعبير مؤلف البجعة السوداء. تغيّر ذلك عندما اضطلعت بمسؤولية حياتي الشخصية، ما الفائدة الواقعية \ الحياتية التي يُمكن تحصيلها من هكذا كتاب \ نقاش؟ كذا سقطت أطنان من المجلدات والمذاهب من دائرة اهتمامي. يبدو لي أنّه كلّما قلّت مسؤوليات أحدنا؛ يسهل انخداعه بهذا النوع من المسائل.

التعابير اللغوية دقيقة بالفعل، والفارق البسيط في إسناد الملحقات وترتيب الكلمات وتنوينها قد يُغيّر من معناها جذريًا. هاك مثالٌ من الكتاب آنف الذكر، إذ يُنبّه الكاتب إلى الفارق بين عبارتي "معظم الإرهابيين شرقيون"، و "معظم الشرقيين إرهابيون". وهو فارق عظيم في المعنى وليست مجرد ألاعيب لغوية تعتمد تشويش عقل المستمع لجذب انتباهه. بيد أنه وفي الوقت عينه لا تزال تنطلي علينا العديد من الخدع اللغوية والظواهر الصوتية والبلاغية بسهولة بالغة.

بالعودة إلى اللوحة السابقة، ألا يُمكننا القول أنه يجب المساواة بين الأشخاص في مقدار ما يرونه من المباراة، كما لا يجب توزيع الصناديق بينهم بالعدل؟ هكذا يمكننا قلب المعادلة لصالح المساواة بدلًا من العدل، وكلا العبارتين (الأصلية والمُعدّلة) مجرد لعبٌ على أوتار اللغة.

لينوس تورفالدس قال ذات مرة "الكلام رخيص، أرني الكود".. الشعارات رنانة أرني النتائج.