هل كان الخضر ماسونيًا (أو مراجعتي لرواية الرمز المفقود)

(تنبيه: هذه المراجعة تكشف بعض أحداث الرواية)

أنهيتُ البارحة قراءة الرمز المفقود لدان براون، ثاني عمل أقرأه للمؤلف بعد شيفرة داڤنشي منذ ثلاث سنوات، ورغم أنه مع وصولي لمنتصف الرواية (260 صفحة) بدأتُ أشعر بالتململ والتكرار من شيفرة داڤنشي إلى حد لا يطاق، لكن الأحداث بدأت تتسارع بعد ذلك وتأخذ منحنىً بوليسيًا أكثر إثارة، إضافةً إلى تضاعف الزخم المعلوماتي والفلسفي والنقاشات المختلفة حول مسائل اللاهوت، الدين، الباطنية، الفلسفات القديمة الخ، ما دفعني إلى إكمال النصف الآخر دفعةً واحدة.

مع ذلك يبقى التشابه واضحًا وطاغيًا بين العملين، بدءا من المحور، مرورًا ببعض الشخصيات، وانتهاءا بالخاتمة.
فمحور الروايتين هو العمل على تفكيك شيفرة سريّة مرتبطة بجرم جنائي تجاه شخص يحمي سرًا، ففي شيفرة دافنشي تبدأ القصة بمقتل أمين متحف اللوفر جاك سونيير بسبب سرٍ يحمله محاولًا إيصال شيفرة سريّة في الطريقة التي يختارها أثناء احتضاره، بينما تبدأ رواية الرمز المفقود بيد بيتر سولومون المبتورة في إحدى قاعات مبنى الكابيتول الأمريكي موضوعة بشكل معيّن هو مِفتاح تفكيك شيفرة الرواية.
التشابه بين الشخصيات يمكن ملاحظته مثلا عند النظر إلى “سيلاس” في شيفرة داڤنشي الراهب الذي عاش طفولة عنيفة على يد أبيه المخمور دائمًا، وتعرّض للاضطهاد، فنشأ مجرمًا وسُجن في فرنسا قبل أن يستطيع الهرب لتبدأ حياته الجديدة، وهي شخصية قريبة إلى حد كبير مع “مالأخ” الذي تبدأ حياته مع المخدرات ثم سجينًا في تركيا، وبينما تُعرض على والده صفقة لإخراج ابنه من السجن مقابل مبلغ من المال، يرفض الأب ذلك من منطلق تربوي؛ كي يتعلم ابنه عواقب ما يفعل، وهكذا يبدأ الحقد في قلب الابن الذي يتمكّن من الهرب أخيرًا لتبدأ حياته الجديدة.
كذلك نرى التشابه في الخاتمة:
نقرأ في خاتمة داڤنشي كود “إن البحث عن الكأس المقدسة هو بحث هدفه الإنحناء أمام رفات مريم المجدلية، هو رحلة للصلاة عند قدمي المنفية”.
وفي خاتمة الرمز المفقود “أدرك الآن أن الهدف الحقيقي للهرم الماسوني لم يكن كشف الأسرار بل جعلنا نفتنن بها”.
ورغم هذا التشابه أمكنني الاستمتاع بالنصف الثاني من الرواية و لا أدري إن كان ذلك بسبب الزمن الفاصل بين قراءتي للروايتين أو لشيءٍ آخر.

نعود إلى الرمز المفقود، حيث روبرت لانغدون يحتفظ بصندوق سريّ صغير لصديقه بيتر الماسوني والذي طلب منه سابقًا الاحتفاظ بهذا الهرم في مكانٍ آمن. يضم الهرم شيفرة يكشف تفكيكها عن خريطة تقود إلى مكان يحتوي على الحكمة الضائعة عبر العصور، الحكمة التي تمّ إخفاؤها عن البشرية من قبل الماسونيين خوفًا من استخدامها بشكلٍ خاطئ، وهي الأسرار التي يحتفظون بها حتى يحين الوقت المناسب للكشف عنها.
يُخطف بيتر من قبل مالأخ ليجبر لانغدون على إحضار الهرم والبدء بتفكيك الشيفرة التي يضمها، وكعادة دان براون تبدأ رحلة حلّ الألغاز المشفّرة المتتالية مع تصاعد الأحداث البوليسية وتزاحم المحتوى الفلسفي والعلمي (والهرطقي بطبيعة الحال).
تدخل السي أي ايه على الخط لتنضم إلى الماسونيين الذي يحاولون إيقاف مالأخ ومحاولة حماية الكنز المعرفي من الخروج إلى العلن.

تأخذ أسطورة الكنز المدفون مكانًا مهمًا في أدب القراصنة والخارجين عن القانون، الذين اعتادوا على دفن ثرواتهم المسروقة في أماكن نائية تشير إليها خرائط مُشفّرة (هل تذكرون جزيرة الكنز 🙂 ).
وفي المقابل تتكرّر أسطورة الكنز المعرفي المدفون تحت حجر أو هرم لدى الكثير من الأديان القديمة والفلسفات الباطنية، والتي تؤكّد على أهمية المحافظة على هذا المخبأ وصيانه سرّه، وترميمه كلما استلزم الأمر، وإن لم تحظَ على شهرة غيرها من الأساطير.
ففي الوقت الذي سأل فيه أهل مكّة النبي أن يخبرهم عن قصّة أهل الكهف، والملك الذي دار شرق الأرض وغربها، وأن يخبرهم عن أمر الروح؛ بنصيحة من اليهود آنذاك، فقد فاتهم أن يسألوه عن قصة الكنز المدفون الذي رممّه العبد الصالح، لكن القرآن لم تفته الحادثة.
تقول القصة حسب النصّ القرآني “فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا [..] وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك”.
تتطابق روايات دينيّة عدّة مع ما ذهب إليه براون في روايته من كون الكنز هو لوحٌ ذهبي نقشت عليه حكمة كلّ العصور، ورغم أن فحوى الكلمة جذبت نقاشات واختلافات المفسّرين حولها، فإنّ الفعل الذي قام به الرجل الصالح (الخضر حسب المرويات) لم يحظَ بوقفة مناسبة.
لقد كان تصرّف الخضر طبيعيًا في إخفاء الكنز عن غلامين لم يبلغا رشدهما لمن يقول بأنّ الكنز هو مال وفير، لكن ماذا عمن يقول بأنّ الكنز ما هو إلا رأس كلّ حكمة، لماذا يخفيها الخضر عن الغلامين؟ وماذا يضرّ لو عرِفا بها قبل أن يبلغا رشدهما؟
تقول الرواية “الماسوني يحمي أخاه الماسوني فوق كلّ شيء، باستثناء شيءٍ واحد، ألا وهو السرّ الأعظم الذي تحتفظ به جمعيتنا للبشريّة بأسرها. وسواء أكنت أعتقد أم لا أن هذه الحكمة الضائعة تمتاز فعلًا بالقوة التي ينسبها إليها التاريخ، فقد أخذت عهدًا على إبعادها عن أيدي الأشخاص غير الجديرين بها ولن أسلمها إلى أحد”.
تُثبت رواية دان براون ما جاء في النصّ القرآني حيث ينتهي الكنز الذي يصونه الرجل الصالح إلى أبناءه غير الراشدين، يلعب الخضر الدور الذي يلعبه بيلامي مع لانغدون حينما يمنعان مالأخ من الوصول إلى الكنز، والذي ستكشف الأحداث المتلاحقة أنه ابن بيتر سولومون نفسه!

إلى ماذا تنتهي الرواية؟
الحكمة الضائعة عبر العصور هي “الكلمة”؛ كلمات الله إلى البشرية عبر كتبه المقدسة، بدءًا من أقدمها وجودًا وانتهاء بالإنجيل والقرآن. لكن مالذي تشترك به هذه الكتب التي تختلف كثيرًا فيما بينها؟
تقول الرواية أنها تشترك جميعها بوجود أسرار باطنية فيها تكشف عن قوّة العقل البشري وأثر الأفكار على العالم الفيزيائي، وقدرة العقل على التحكم بالمادة.
حسنًا لن أتوقف عند هذه النقطة حاليًا.

مغالطات
ما أودّ الإشارة إليه أخيرًا أنّه على الرغم من الحبكة الجيدة والمحتوى الفلسفي والحوار الرائع في الرواية، إلا أنّ مغالطات منطقيّة تجدها وهناك في ثنايا حوار شخصيات الرواية.
لا أدري لمَ يكون لانغدون أستاذًا جامعيًا مرموقًا وفجأة نجده يقع في مغالطة منطقية تافهة وتنطلي عليه بسهولة سخفية!
في الصفحة 472 على سبيل المثال وبينما تشرح كاثرين للانغدون قوّة الأفكار على العالم المادي، يسألها الأخير عن الأدلة العلميّة التي يمكن لها أن تعزز مثل هذه النتائج. جميل إلى هنا، لانغدون يطرح سؤالًا بدهيًا عن الأدلة.
ماذا ستفعل كاثرين؟
لا شيء، إنها تلقمه مغالطة التفكير التشبيهي، قائلة له الأمر يشبه حيازتك على كمنجة دون أن تعرف كيف تعزف عليها، هكذا هو عقلك، يمتلك قدرات خارقة دون أن تعرف استخدامها، أنت تحتاج إلى تدريب.
وهكذا فجأة يبدو أستاذ هارفرد المرموق مقتنعنا بمجرّد مغالطة تبدو كما لو أنها الحكمة.
وأمثال هذه المطبات تكثر في النقاشات الأخيرة.

أظنّ أنني سآخذ وقتًا جيدًا قبل أن أفكّر بقراءة عمل آخر لهذا الداهية المبدع.
قراءة ممتعة