/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - العقل2

ملخص ما جاء في التدوينة الماضية: أنّ تقديس الفلاسفة المسلمين للعقل اليونانيّ، والدفاع عنه بإعتباره «العقل» المطلق، ولدّ ردّة فعل باتت تشكّل «ديننا» في نظرتنا إلى العقل، والتشكيك به، وعدم الوثوق بأحكامه.
فقد أغرقت الصوفيّة هذا العقل بالتفكير الخرافيّ اللاسببيّ وعزلته عن مهمته في فهم الأنفس والمجتمعات و تغييرها، بينما قزّمت السلفيّة دور العقل وألجمته عن محاول الاجتهاد والتجديد “طالما كان للسلف اجتهادٌ سابق”!
وبغض النظر عن كلّ التبجيل اللفظيّ والتقديس الكلاميّ للعقل، وأنّ ديننا دين العقل، وحتى لو تصادف من وافق على الأفكار المذكورة في التدوينة السابقة حول عدم تعارض العقل مع النقل… فواقع الأمّة يخبر بأنّ هذه الدعاوي لا تخرج عن دائرة الكلام الفارغ، الذي لا ينعكس شيئًا على أرض الواقع، فإذا ما أردنا أن نختبر حقًا نظرتنا إلى العقل فالنرى كيف نتعامل مع التفكير الحرّ، وفي هذا الاختبار نسقط أيّما سقوط، فالتفكير المتحرّر من كل سلاطين الفكر وقيود التاريخ وسلطان الشيوع وقداسة القدم وقدسيّة القدوات، هو التفكير المحارب عندنا، الذي يتهم أصحابه بالزندقة والكفر والحلول والبدعة والهرطقة والعلمانيّة والليبراليّة ومعادة الأمّة وتشويه فكرها وإيهان نفسيتها وتشكيكها بدينها الخ القائمة التي تطول ولا تنتهي من التهم الجاهزة المعلبّة (كعقول أصحابها). هذا في حال تجرّأ أحدنا أصلًا على مخالفة الشائع والمعروف من الآراء والأفكار.

إذ تلعب مصطلحات مثل “أجمعت الأمّة” و “أجمع فقهاؤها” و “علماؤها” و “كبار أئمتها” و “كبار الصحابة” و “أئمة السلف الصالح” تعلب دور السلطة الفكريّة، والشرطة العقائديّة التي تمنع أحدًا من محاولة التفكير خارج دائرتها. “فمن أنت حتى تخالفهم”، و”ماهو علمك مقارنةً مع علمهم”، “وأين أنت وأين هم” “ولم تريدنا أن نأخذ ديننا من عند غير العلماء، ولا تقبل أن تأخذ دوائك من عند غير الطبيب” الخ من الحجج الواهيّة المتهافتة.
لأنّ الذي عليه مدار هذه العبارات، وطريقة التفكير هذه، هي الحكم على الأقوال الجديدة من حيث جدّتها فقط، أو من حيث الجهة التي صدرت عنها، بدلًا من الطريقة العلميّة التي تحاكم الفكرة إلى الفكرة، فأيهما ثبتت أمام ميزان العقل والعلم كان لها الغلبة، لكن الذي يتبنى طريقة التفكير هذه يريد أن يريح نفسه من تبعة النقاش والبحث والتنقيب، ويأمن من مغامرة قد تكشف له زيف ماكان يؤمن به، فيأخذ حجج مسبقة لا يحتاج معها إلى رحلة بحث مضنية.
ولنفتح مقالًا من المقالات التي يكتبها مفكّرون مجدّدون أحرار، ولنتمعّن في التعليقات، ولنرى حول ماذا تتمحور الردود.
أوبعد هذا نكون متصالحين مع أنفسنا وعقولنا؟!

تشكّل مخافتنا من التفكير الحرّ إذًا والتوجس ريبة من أصحابه (في أضعف المواقف)، أو محاربتهم (في مواقف متقدّمة) المؤشر الأبرز على تعطيلنا لعقولنا، وعدم تصالحنا معها، لكن هناك مؤشرات أخرى، منها معدّلات أميّة القراءة والكتابة المترفعة، و العزوف عن القراءة لتغذية العقول، فضلًا عن الحديث عن حركة التأليف والإختراع والإبداع العربيّة المشلولة.

ويمكن ملاحظة الخوف بل والذعر الذي قد ينتابنا عندما نسمع بأنّ أحدهم يقرأ كتاب كذا (لملحد مشهور، أو علماني عريق، أو حتى كتاب حكمة من آسيا الجارة)،وهو ذاته الخوف (وإن بدرجات أقلّ) نشعر به عندما نجد كتابًا بين يدي آبناءنا أو اصدقائنا يخالف توجهاتنا المعروفة (السلفيّة، الصوفيّة، التحرير، الاخوان، الحركة الإصلاحيّة الخ)، نخشى عليهم!
وهذه حقيقة لا داعي لإنكارها، وهي تشي عن مقدار ضعف ثقتنا الشديد في العقل، بل وقبل ذلك إعتراف بتربية مدجّنة لم تؤسس عقلًا قويًا قادرًا على تحكيم الأمور والفصل بينها، وإعمال التفكير النقديّ في ما يمرّ عليه.
وهي تشي أيضًا (بنظرة مضمرة هي الأخطر) بأنّ كل ما نعرفه ونؤمن به هو “الحق المطلق”، وكل ما لدى الفرق / المذاهب / المدارس / الفلسفات الأخرى هو “الباطل المطلق”، فلا فائدة من هذا الانفتاح الثقافيّ، ولن نكتشف شيئًا مثيرًا عند غيرنا.

كما نخشى من دعوات الحريّة التي نسمع أصداها هنا وهناك، ونحبّ أن نتعامل مع الأفكار من منطلق المنع والكتم، لا من منطلق المحاججة والمناقشة، لأننا حقيقة نعترف بضعفنا العقليّ الشديد، وخسارتنا في أيّ معركة عقليّة.
هذا الخوف على الناس، وعلى عقولهم، يشي بمشاكل بنيويّة عميقة في العقل العربيّ، لأنه ضعيف، مشتّت، وغير قادر على المواجهة.
ومع ذلك فإنّ الحلّ لا يكون بمنع العقل من ممارسة نشاطه (فهذا بالذات سبب المشكلة)، بل يكون الحلّ في فتح الأبواب كلّها، وتطوير طريقة علميّة في التفكير، وتطوير منظومة قرآنيّة كمرجعيّة معياريّة.

لقد أُغلق باب التدبّر في القرآن، تحت دعوى “القول بكتاب الله بالهوى وبغير علم”، وبات «الهوى» يعني عندنا الرأي الذاتيّ الشخصيّ، الذي قد لا يقنع الآخرين، ويخالف الأكثريّة، وطبقة “العلماء” الذين يجب أن نثق بعلمهم ولا نخالفهم.
والهوى في الحقيقة هو طريقة التفكير غير العلميّة، التي لا تخضع لمنهجيّة العلم في البحث والتفكير، وقد استغرق الخطاب القرآنيّ آياتٍ كثيرة في بناء هذه الطريقة في التفكير، كان من الأولى أن نزوّد بها العقل المسلم، بدل أن نحرمه من التفكير، تحت حجّة “القول بالهوى وبغير علم”.

إنّ التساؤل، والبحث عن الأسباب، والتنظيم، والشموليّة، وعدم الخضوع لسلطة قدم الفكرة أو سعَة انتشارها، والسعي وراء البرهان والحقيقة بنزاهةٍ ودون تحيّز مسبق، مفردات عريقة عمل الخطاب القرآنيّ على بناءها في عقل المسلم، وتجنيبه «الهوى»، لكننا عطلنا مهمة الوحيّ في بناء عقل قرآنيّ، وعندها دخلنا في عصر الانحدار والركود ومن ثم التخلّف.

العقل هو جزءٌ مقدّس، من هذا الكيان المقدّس الذي اسمه الإنسان، على أساسه يحاسب المرء، لن يحاسبني الله على عقلٍ آخر غير عقليّ، لذلك لا يهمّ إن كانت أفكاري غريبة أو خاطئة بنظر الآخرين، المهم أن أكون مطمئنًا إلى صحّة منهجيّ العقليّ، وأن أكون حرًا، أثق بالعقل، أثق بالإنسان.

لنتصالح مع عقولنا، لنثق بها، لننميها، وبذلك نخطو الخطوة الأولى نحو اكمال إنسانيتا الناقصة، التي حرمتنا منها أفكار بالية ومؤسسة تحتكر تفسير الدين.