/ فيض قلمي

نبش الغراب في "طريف"

نعم أنت لا تشعر! … فأثناء قرائتك لهذه الكلمات فإن جفنيك يطبقان على بعضهما بشكل سريع خاطف(أسرع حتى من تناولك لآخر لقمة قبل أن يرفع آذان الفجر في رمضان) ، بحركة تدعى “طرف العين” .. ومهما يكن لون طوارفك “أي عيونك” فإنني أجزم بأنهما تطرفان كل بضع لحظات، أما إذا شَخَصَ بصرك وما طرَف فهذا يعني أنك تسمع كذبة سياسية كبيرة، أو تشاهد مقطع لا يفوّت من فيلم التايتنيك، أو تحاول أن تنظر جاهداً إلى ورقة زميلك الإمتحانية، مناضلاً للحصول على ثلاث علامات فقط حتى تبلغ علامة النجاح .. عساك أن تتخرج في نهاية المطاف .. حاملاً شهادة “الهندسة” مسافراً إلى إحدى دول الخليج ..

وقد تقصد مدينة “طريف” السعودية التي يكثر فيها المهندسون الأمريكيون في حقول الفوسفات الغنية هناك، وقد تقصد أيضا (البحرين) لأسباب تخصك، ولكن ما يخصني في (البحرين) هي انها مسقط رأس “طَرَفَة بن العبد” الذي يعود اسمي واسمه الى ذات الجذر “طرف”. صحيح أنه عاش حياة المجون واللهو، لكنه كان من كبار شعراء المعلقات وبعض النقاد يفضّل شعره على جميع شعراء الجاهلية، بَيْد أنه في معلقته تلك وصف الناقة بإسهاب مهملا حقَّ “الطِّرف” وهو الخيل الكريم العتيق …

أما إذا أطرَفك أحدهم فهذا يعني أنه قد أعطاك عطاءً لم يعطه لك أحدٌ قبله، فــ “الطُّرفةُ” إذا هي شيئً قد أعطيته ولم تملك مثله من قبل .. وتجمع “طرائف” .. دعك الآن من النكت، فما كان منها سياسياً فإنها تضحكك أولا وقد تبكيك أخيراً، وما كان منها بذيئاً فإنها تضحكك ولا تجد (بسهولة) من تضحكه بها لاسيما ان كانت من العيار الثقيل .. الطريف في الموضوع أنك تضحك امام أفراد عائلتك كلما دارت تلك “النكتة البذيئة” في مخيلتك وتتهرب بعد ذلك من سبب هذه الضحكات …

الطريف إذا هو الشيء الطيب الغريب .. فالأصل أن اسم “طريف وطرفة وطرائف” يطلق على كل شيء غريب وطيب سمعته أو أعطيته لأحد أو أُعطيته .. فليست كل “النكات” غريبة طيبة، ولكن اللفظة شاعت بعمومها ..
وإذا ارتبطت حياتك بالمال بشكل جنوني فأقول لك (وأنت هنا ادرى مني) إن الطريف من المال هو المستحدث منه (ضد التالد) والعرب تقول “ماله لا طارف ولا تالد وماله لا طريف ولا تليد” يعني أنه لم يستحدث شيئا (من المال وغيره) ولم يرث شيئا (من أبويه)، فحالته باتت أشبه بالمفلسين تماماً .. لا هو قدر على استحداث جديد و لا هو قُدّر له ان يرث قديم .. وهذا لا يقتصر على المال بل لك ان تقيس ذالك على الأفكار والرؤى والتصورات وخطط العمل .. دعك الآن من مديرك في العمل

ورجل “مُستَطرف” أي لا يثبت على أمر … مثال: وليد جنبلاط
وإمرأة “مَطْرُوفةٌ” أي تَصْرف بَصَرَها عن بعلها إلى سواه … وهناك من يصرف نظره عن قرآنه وسنته إلى غيرهما، وهناك من يصرف نظره عن حضارته إلى “حضارة غيره” وكل هؤلاء مطروفون.
ولكن لماذا أهرب كلما صادفت “التطرف” وهو بلوغ “الطرّف” (بمعنى نهاية الجانب)، والتطرف يكون في الأفكار وفي المعاملات .. وهناك تطرف ديني وتطرف لا ديني، وتطرف سياسي وتطرف مذهبي وعدّد ولا حرج ..
ونذكر هنا “مطرف بن طريف” وهو إمام محدث قدوة ثقة كما ذكر صاحب أعلام النبلاء.
وطريف بن تمام هو صاحب هذه السطور، وصاحب “طريفيات” وهو اسم استطرفه من مخيلته ولن تجده في معاجم العالم كله هذه الكلمة ..

وقوله عز وجل (أَقِمِ الصلاةَ طَرَفي النهارِ وزُلَفاً من الليل) يعني الصلوات الخمس، ولكني هنا أرجو أن تقيم هذه الصلوات بخشوع وتأدة ودون عجلة او سرعة مخالفين بذلك سرعة طرف عينيك والتي افتتحنا بها كلامنا هذا …

والسلام عليكم